هذا الصباح على طاولة مستديرة ورذاذ الثلج يتساقط شفافا وخفيفا من وراء النافذة، كنت محاطا بزميلات من جنسيات متباينة. إسبانيتان إحداهما من إقليم "أندلُسيا". وثلاث لاتينيات، كولومبية وأرغوانية وأرجنتينية. ويابانية، وفرنسية، وكوسوفية.
هذا الصباح على طاولة مستديرة ورذاذ الثلج يتساقط شفافا وخفيفا من وراء النافذة، كنت محاطا بزميلات من جنسيات متباينة. إسبانيتان إحداهما من إقليم "أندلُسيا". وثلاث لاتينيات، كولومبية وأرغوانية وأرجنتينية. ويابانية، وفرنسية، وكوسوفية.
قابلتُ منذ يومين رجلا زار مدينة لعيون شابا يافعا أيام انتخابات (وي ونو) 1958 عندما كانت بذور العمران في بداياتها ثم عاودها الزيارة شيخا كبَّارا. كانت الجملة التي تتردد على لسانه طيلة الوقت رفقة نظرات تعلوها خطوط التجاعيد وحواجب بيضاء هي: " يَذَ من الفناء والعدم ".
حبذا لو وجدتُ ترجمة حرفية للكلمة الشعبية "الكَجْ" إلى الفصحى ومعرفة جذورها اللغوية، إضافة للحصول على تفسير منطقي لسرَّ ولع الشعب الموريتاني بمدلول الكلمة ودفنه في العديد من مستجدات الحياة؟
لم يكن السهر من الطقوس التي أواظب عليها، ولم يكن الأرق ضيفا جذابا يثير انتباه وسادتي فتسامره. توهمت دائما أن السهر حتى الفجر من علامات الانحراف، ولابد لصحابه من الغطس عميقا في بحيرة من الآثام...
قمتُ بالأمس بتسجيل الدخول لأول مرة إلى خريف ترارزة العميقة (المذرذرة وأركيز). كانت الوجهة متنزه "جوخه" ذائع الصيت. بيد أن حداثة طريقه بالأمطار جعل مساره رطبا ولينا ولا يتعاطف مع السيارات التي لا تتمتع بالدفع الرباعي.
مرَّ بنا رجل يبيع العصافير في قفص صغير. ثمن العصفور 50 فرانك. الذين يشترون العصافير يطلقون سراحها لتنال الحرية مجددا(يشترون لها حريتها). لكن البائع يعرف أوكار العصافير وأين سيجدها، فيصطادها مجددا ويعيدها للققص ليبيعها لهم مرة أخرى!
في حديث ودي مع صديق كيميائي، ناقشنا فيه كيمياء الاغتراب الطويل وما يترتب عليها من تأكسد العمر، وما تتطلبه من التفاعل الوجداني والروحي وخاصة التفاعل الاجتماعي.
كان الليل حالكاً والنجوم في السماء كئيبة. وكان كوخنا يتيما مثل أبنائي، يتوسد مساحة فارغة من العمران في حي شعبي مغطى بظلمات التهميش. كنا ننتظر الصباح لنصافح الحياة كما تعودنا مصافحتها دائما بأيدي خشنة وباردة.