ثمة أمر لافت يحدث الآن في أروقة السلطة الغربية؛ فحلفاء أمريكا المقربون لم يعودوا يهمسون بإحباطاتهم خلف الأبواب المغلقة، بل باتوا يصرخون بها من منابر البرلمانات ومنصات المؤتمرات الصحفية، وترامب من جانبه يرد الصاع صاعين.
منذ الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 لطرد منظمة التحرير الفلسطينية، ظل حزب الله شوكة في خاصرة إسرائيل. وُلد “الحزب” — كما يُطلق عليه — من رحم ذلك الغزو، وشن حرب عصابات لا هوادة فيها ضد القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل جنوب لبنان، بدعم وتمويل وتدريب من إيران.
منذ أشهر، تدور رحى حرب في أنحاء العراق دون تلك الضجة التي كانت تصاحب الحملات العسكرية الأمريكية في المنطقة سابقاً؛ فلا وجود لصحفيين مرافقين يصورون الأرتال وهي تجوب الصحراء، ولا خطابات رئاسية في أوقات الذروة.
بدأ تقوض السياسة الأمريكية تجاه إيران بفعل هدمٍ واحد؛ فحينما انسحب ترامب من “خطة العمل الشاملة المشتركة” في مايو 2018، قام بتفكيك إطار عمل كان قد نجح — رغم عيوبه — في تمديد “زمن الاختراق” النووي الإيراني من شهرين أو ثلاثة إلى أكثر من عام.
ثمة كلمة تصف ما يعرض على الشاشات في أرجاء الشرق الأوسط ليلاً: “الشماتة” (Schadenfreude)؛ ذلك الشعور باللذة العارمة التي لا توصف عند رؤية عدوك يتجرع الألم والدمار والموت.
لعقود من الزمن، أُجبر العالم على الشعور بالذنب لمجرد رؤيته للحقيقة بوضوح. لقد انتهى ذلك العصر. هناك لحظة في الحياة الأخلاقية للأمم لا تعود فيها الأكاذيب التي دعمتها قادرة على الصمود. وإسرائيل تعيش تلك اللحظة الآن.
على مدى أربعة عقود تقريباً، رسم بنيامين نتنياهو ملامح سياسته بناءً على فكرة جوهرية واحدة تحركه: وهي أن إيران تشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل، وأنه الوحيد الذي يمتلك الرؤية والشجاعة لمواجهتها وجهاً لوجه.
وجّه الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، تحذيراً سرياً إلى الرئيس ترامب بصراحة تامة؛ تلك الصراحة التي تعتمد عليها الديمقراطيات وتتجاهلها الإمبراطوريات بشكل روتيني، حيث قال: “ليس لدينا ما يكفي من الذخيرة للفوز بهذه الحرب. لن يكون المشهد جميلاً”.
يلتقي بنيامين نتنياهو اليوم بدونالد ترامب في البيت الأبيض للمرة السابعة منذ إعادة انتخاب الأخير. في الظاهر، يبدو اللقاء كاجتماع شمل لحليفين قديمين، أما في الحقيقة، فهو “مجلس حرب” لرجلين يائسين.