الحرب المستمرة على العراق

جاسم العزاوي

منذ أشهر، تدور رحى حرب في أنحاء العراق دون تلك الضجة التي كانت تصاحب الحملات العسكرية الأمريكية في المنطقة سابقاً؛ فلا وجود لصحفيين مرافقين يصورون الأرتال وهي تجوب الصحراء، ولا خطابات رئاسية في أوقات الذروة. بدلاً من ذلك، تقوم الطائرات الحربية والمسيرات الأمريكية بتفكيك البنية التحتية لقوات الحشد الشعبي بشكل منهجي. فقد نفذت القوات الأمريكية غارات جوية متكررة على مقرات الحشد في بغداد والموصل ومحافظة الأنبار، واغتالت قادة بارزين وحولت مجمعات محصنة إلى أنقاض. وشملت الأهداف شبكات لوجستية، ومستودعات أسلحة، ومراكز قيادة وسيطرة أمضى الحرس الثوري الإيراني قرابة عقد من الزمان في بنائها. وكان الجنرال مايكل كوريلا، سلف الأدميرال كوبر في القيادة المركزية الأمريكية، قد حذر لسنوات من أن طهران تقوم بـ “عسكرة” هذه الجماعات بشكل منهجي لتكون بمثابة قوة ردع متقدمة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.

هل انتهى عصر الوكيل؟

ما قد لا يكون المخططون الأمريكيون قد استوعبوه بالكامل هو أن فصائل الحشد الشعبي أمضت تلك السنوات نفسها في التطور؛ فهي لم تعد كتلة صماء تأتمر بأمر طهران. ويؤكد قادة الحشد، من خلال وسطاء وفي مقابلات نادرة مسجلة مع وسائل إعلام عربية، على هذه النقطة؛ حيث قال أحد القيادات البارزة لقناة “الجزيرة”: “نحن عراقيون أولاً.. يعتقد الأمريكيون أن بإمكانهم محونا، لكن كل ضربة لا تزيدنا إلا إصراراً”. وهذا النوع من التحدي سبق وأن سمعه القادة الأمريكيون في العراق، ونادراً ما ثبت أنه مجرد كلام فارغ.

ويرى مايكل نايتس، الزميل البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى والذي قضى عقدين في تتبع الحشد الشعبي، أن الضربات الأمريكية تنتج عاقبة غير مقصودة، قائلاً: “الحشد الشعبي يتفتت تحت الضغط؛ فبينما تظل بعض الفصائل موالية لطهران، تعيد فصائل أخرى تموضعها كجهات فاعلة وطنية. وهذا يجعل القضاء عليها أصعب، فهي متجذرة في النسيج السياسي والاجتماعي للعراق”. ومن المفارقات أن هذا التفتت قد يجعل المشكلة أسوأ؛ فوجود حشد موحد مسؤول أمام إيران يمثل على الأقل متغيراً معروفاً، أما كوكبة من الميليشيات الوطنية العراقية شبه المستقلة فهي أمر يصعب ردعه أو التفاوض معه بشكل أكبر بكثير.

المعضلة العراقية

تراقب بغداد كل هذا بقلق لا يكاد يخفى؛ فحكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني عالقة في مأزق خانق: فهي تعتمد بشكل كبير على الضمانات الأمنية والنظام المالي لواشنطن لدرجة تمنعها من إدانة الضربات علانية، لكنها في الوقت ذاته متداخلة للغاية مع الفصائل السياسية للحشد — التي تشغل مقاعد في البرلمان وتدير وزارات حكومية — لدرجة تمنعها من تأييد تلك الضربات. وقد ندد برلمانيون عراقيون من الكتل المتحالفة مع الحشد بالعمليات باعتبارها انتهاكاً للسيادة العراقية.

وقد وصف حيدر الخوئي، المحلل العراقي في “يونيفرسيتي كوليدج لندن” والذي يقدم المشورة للحكومات الغربية بشأن العراق، هذه المعضلة بدقة: “كل ضربة أمريكية تخلق أزمة سياسية محلية للحكومة العراقية. يُطلب من السوداني الاختيار بين رعاته الدوليين وبقائه السياسي المحلي، وهذا موقف لا يمكن الاستمرار فيه”.

طالما جادل السفير السابق رايان كروكر، الذي فاوض على اتفاقية وضع القوات عام 2008 مع بغداد، بأن واشنطن تميل إلى الاستهانة بهشاشة علاقتها مع الدولة العراقية — والمبالغة في تقدير حجم الضغط الذي يمكن أن تتحمله هذه الدولة قبل أن تنكسر.

قبضة طهران المرتخية

يصيغ كريم سجاد بور، الزميل البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، مأزق طهران على النحو التالي: “إيران صنعت (فرانكشتاين)؛ لقد صُمم الحشد الشعبي كأداة لبسط النفوذ الإيراني، لكنه طور مصالحه الخاصة واقتصاده وهويته السياسية. لا يزال بإمكان إيران التأثير على هذه الجماعات، لكن لم يعد بإمكانها السيطرة عليها بشكل موثوق”. وهذا الارتخاء في القبضة له تداعيات استراتيجية: فإيران غير القادرة على كبح جماح وكلائها هي أيضاً إيران أقل قدرة على تقديم مخرج موثوق لواشنطن.

يتابع محللون في “معهد دراسة الحرب” ما يصفونه بـ “القدرة التجديدية” داخل منظومة الحشد الشعبي، حيث أشار أحد كبار الباحثين هناك “الولايات المتحدة تخوض حرب استنزاف ضد شبكات تتجدد بشكل أسرع مما يمكن تدميرها”.

حدود الهيمنة

إن السؤال الأعمق الذي تثيره عملية “الغضب الملحمي” (Epic Fury) ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع إنزال العقوبة — فمن الواضح أنها تستطيع ذلك — بل ما إذا كانت العقوبة وحدها قادرة على إعادة تشكيل المشهد الأمني في العراق بطرق مستدامة. وحذر الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل، الذي قاد القيادة المركزية بين 2016 و2019 وأشرف على الحملة النهائية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، مما يسميه “وهم العمل الحاسم”، حيث قال في منتدى أخير: “الغارات الجوية أداة وليست استراتيجية. كل قائد يعلم أنك لا تنتصر في العراق من الجو”.

ويجادل كولين كلارك، الزميل البارز في “مركز سوفان” الذي يدرس الشبكات المسلحة، بأن الحملة الحالية قد تخلق ظروفاً لدورة تصعيد طويلة الأمد، قائلاً: “عندما تقتل قائداً، فأنت لا تقضي على المنظمة، بل تفجر أزمة خلافة غالباً ما تنتج شخصاً أكثر راديكالية وأكثر تصميماً على إثبات نفسه”.

 الجولات الامريكية السابقة في العراق تؤكد صحة هذه الملاحظة.

إن مقاييس النجاح التي وضعها الأدميرال كوبر — طائرات متوقفة، سفن حربية معطلة، انخفاض معدلات إطلاق الصواريخ — تقيس قدرات إيران التقليدية، لكنها لا تقيس درجة الحرارة في شوارع كربلاء، ولا حسابات قائد كتيبة في الحشد بالأنبار شاهد للتو جنازة رئيسه وهي تجذب عشرة آلاف مشيع. إن الحرب الصامتة في العراق لا تتعلق بهزيمة إيران بشكل مباشر بقدر ما تتعلق بإعادة تشكيل مشهد أمني حاولت ثلاث إدارات أمريكية استقراره وفشلت. ومع استمرار الضربات وتعدد الجنائز، قد لا يكمن الاختبار الحقيقي في قوائم الأهداف التي تُراجع كل صباح في “تامبا”، بل في أزقة بغداد، حيث يندمج قادة الحشد في الحياة المدنية — بانتظار الضربة القادمة، والفرصة القادمة للرد.

سبت, 02/05/2026 - 23:01