منذ الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 لطرد منظمة التحرير الفلسطينية، ظل حزب الله شوكة في خاصرة إسرائيل. وُلد “الحزب” — كما يُطلق عليه — من رحم ذلك الغزو، وشن حرب عصابات لا هوادة فيها ضد القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل جنوب لبنان، بدعم وتمويل وتدريب من إيران. ولم يكن ولاؤه الأيديولوجي لطهران سراً يوماً ما؛ ففي خطاب اتسم بصراحة لافتة عام 2016، أعلن الأمين العام الراحل حسن نصر الله علانية ما كان يزعمه الأعداء منذ أمد بعيد: “موازنة حزب الله ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه من الجمهورية الإسلامية في إيران”. وفي خطاب منفصل أمام الرعايا الإيرانيين في بيروت، ذهب نصر الله إلى أبعد من ذلك، معلناً: “نحن ولدنا مع الثورة الإسلامية في إيران، واكتسبنا وجودنا وحياتنا من الثورة الإسلامية”، مضيفاً أن إخلاص تنظيمـه للمرشد الأعلى الإيراني يفوق حتى إخلاص الكثير من الإيرانيين، ومحذراً: “سنعتبر كل يد تحاول نزع سلاحنا يداً إسرائيلية”.
لقد دفع حزب الله ثمناً باهظاً لهذا الولاء من مصداقيته العربية؛ فقد قاتل الحزب إلى جانب القوات الإيرانية ضد العراق في حرب 1980-1988، مما أكسبه كراهية دائمة من العراقيين الذين اعتبروه ميليشيا شيعية في خدمة أجنبية. لكن الضرر الأكبر لحق به جراء تدخله في سوريا لصالح بشار الأسد. وقد وصف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، أحد أشرس منتقدي حزب الله، هذا الضرر بوضوح في عام 2025 قائلاً: “أفعال حزب الله أعادت لبنان فعلياً مئة عام إلى الوراء، إن لم يكن أكثر”.
وعقب حرب عام 2006 مع إسرائيل، برز حزب الله كقوة قتالية مهيبة، وتضخمت ترسانته بصواريخ إيرانية دقيقة قادرة على ضرب عمق إسرائيل. إلا أن الحسابات الخاطئة الكارثية حدثت عندما انضم الحزب إلى حملة حماس بعد 7 أكتوبر 2023، ليتلقى ضربات إسرائيلية مدمرة قوضت مخزوناته من الصواريخ ومستودعات الذخيرة وهيكله القيادي بالكامل، بما في ذلك نصر الله نفسه. ومع ذلك، جعل خلفه في التنظيم نوايا الجماعة لا لبس فيها؛ فقد تعهد الأمين العام الجديد، نعيم قاسم، بأن الحزب “لن يتخلى عن سلاحه أو دفاعاته”، واصفاً الانخراط رفيع المستوى للحكومة اللبنانية مع إسرائيل بأنه “تنازل مجاني ومذل”. ووضع قاسم أي عملية لتسليم السلاح في إطار وجودي، مصراً على أن: “الذين يدعون إلى تسليم السلاح إنما يطالبون عملياً بتسليمه لإسرائيل… نحن لن نخضع لإسرائيل”.
وفي مقابلة نادرة على التلفزيون الأمريكي، ردد وفيق صفا، المسؤول السياسي الرفيع في حزب الله، التحدي ذاته قائلاً: “لا نعتقد أن هناك أي ضمانات مع الإسرائيليين سوى السلاح الذي نمتلكه”، مصوراً الترسانة ليس كتهديد، بل كقوة ردع وحيدة موثوقة. وعزز حسين النمر، وهو قائد ميداني كبير في حزب الله بالبقاع، هذه الرسالة معلناً أن الحركة لن تلقي سلاحها أبداً، في وقت استمرت فيه الهجمات الإسرائيلية في انتهاك لوقف إطلاق النار.
أما واشنطن وبيروت فكانت قراءتهما للموقف مختلفة؛ حيث قدم المحلل الأمريكي ديفيد داود من “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” تقييماً رزيناً: “رفض حزب الله صراحة وبشكل متكرر نزع سلاحه بعد دخول وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 حيز التنفيذ. وموقف نعيم قاسم ليس جديداً ولا مفاجئاً. السؤال ليس ما إذا كان حزب الله سيتغير فجأة، بل ماذا ينوي لبنان فعله حيال ذلك”. ومن جانبه، حاول الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي انتُخب بعد الانتكاسات العسكرية لحزب الله، التعامل مع هذا التناقض؛ فعندما اتهم قاسم حكومته بالخيانة لمجرد التفاوض مع إسرائيل، رد عون بحدة: “ما نفعله ليس خيانة، بل الخيانة يرتكبها من يجر بلاده إلى الحرب لتحقيق مصالح خارجية”.
إن المأزق هيكلي وليس مجرد سياسي؛ فاتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية دعا إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية، ومع ذلك، استُثني حزب الله بشكل غير رسمي بصفته قوة مقاومة تقاتل الاحتلال الإسرائيلي، ولم يتم إلغاء هذا الاستثناء بأي شكل ملموس. ولا يزال شرط حزب الله لنقل أسلحته إلى الجيش اللبناني دون تغيير: الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية إلى خطوط الهدنة المعترف بها دولياً عام 1949. وبدورها، واصلت إسرائيل غاراتها الجوية على الأراضي اللبنانية، مما منح حزب الله بالضبط الذريعة التي يحتاجها للاحتفاظ بترسانته. واعترف مسؤول إسرائيلي، طلب عدم ذكر اسمه، بهذا المأزق، قائلاً ببساطة إن نزع سلاح حزب الله “سيكون صعباً للغاية، وهم لا يعرفون ما إذا كان سينجح”.
أما المحلل الأمني جوناثان لورد من “مركز الأمن الأمريكي الجديد”، فقد نفذ إلى جوهر الموضوع بملاحظة ثاقبة حول العلاقة بين إيران وحزب الله، تكشف لماذا لن تصمت المدافع أبداً: “حزب الله موجود لحماية إيران، وليس العكس”. وطالما أن طهران بحاجة إلى سلاح ساخن على الحدود الشمالية لإسرائيل، سيبقى حزب الله كما هو — مسلحاً، ومتجذراً، ولا غنى عنه لراعٍ لم يقدم يوماً السيادة اللبنانية على المصلحة الاستراتيجية الإيرانية. ويرى حزب الله أن مهمته لا تقل عن طرد قوة الاحتلال الإسرائيلي من كل شبر من لبنان، بغض النظر عما يُبذل في سبيل ذلك من أموال ووقت وأرواح.
نقلا عن رأي اليوم











