ثمة لحظات في تاريخ الشعوب يكون وصفها بـ «التغيير السياسي» أقلَّ بكثيرٍ من حقيقتها. فما يتغير فيها ليس الحاكم وحده، ولا شكل السلطة، وإنما منظومة كاملة من المعاني التي حكمت علاقة الإنسان بنفسه، والدولة بمجتمعها، والجغرافيا بتاريخها، والوطن بالعالم.
في ذروة الغرور الإسرائيلي بالقوة، وفي لحظة الانتشاء التي توهم فيها تل أبيب نفسها بأن فائض النار يعني فائض الشرعية، يلوح خطأ استراتيجي يتكرر كثيراً في تاريخ القوى العسكرية المتفوقة، ويتمثل في الاعتقاد بأن التفوق العسكري يسمح بتوسيع المجال السياسي بلا سقف.
خلال الفترة الأخيرة، ومع تعثّر الأساليب التقليدية في الطعن بالدولة السورية الجديدة، أو في شيطنة المجتمع السوري بشكل مباشر، بدأت تتكاثر مقاربات مختلفة، أكثر لؤماً، في الخطاب العام المتعلق بسوريا.
تعيش سوريا اليوم واحدةً من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها الحديث: انطلاق العملية الانتخابية التشريعية الأولى في ظل سوريا الجديدة. هذه ليست مجرد انتخابات دورية بالمعنى التقليدي، وإنما هي تجربةٌ تأسيسية لإعادة تعريف السياسة نفسها بعد عقود طويلة من الانغلاق السلطوي.