«همزة الوصل».. بدلا من القطع والعزلة

Mohed Elmona

لقد نشأت الجمهورية الإسلامية الموريتانية منذ قيامها على هوية ملتبسة إلى حد ما، كشأن كثير من البلدان التي رسم الاستعمار حدودها الجغرافية والاجتماعية ووضع أسس دولتها المستقلة حديثاً. وبحكم تركيبتنا العرقية (لاسيما مع سيطرة النخبة الفرنكفونية من عرقيتي البولار والولف لدى إعلان الاستقلال الممنوح)، وبحكم موقعها الجغرافي بين أفريقيا العربية وأفريقيا السوداء.. كان مفهوم همزة الوصل (تعرض في السنوات والعقود الأخيرة لحملة تشويه كبيرة من جانب بعض المثقفين لأغراض ودوافع خاصة)، حلا وسطاً مقبولا، بل مناورة التفافية لا تخلو من حصافة ووعي استراتيجي متقدم على عصره، لاسيما بالنظر إلى هشاشة بلد يتأسس على الرمل ومن اللاشيء ودون سابق تجربة في بناء الدول وإدارة المؤسسات، فيما شكلت معضلة الهوية صاعق تفجير أشعل تجارب أخرى أكثر رسوخاً في المؤسسية ولها تاريخ طويل نسبياً مع نظام الدولة المركزية الحديثة. 
وسواء اعتبرنا أنفسنا همزة وصل أو جسر تواصل بين عمقنا الشمالي وامتدادنا الجنوبي، فإنه لم يكن أمامنا إلا ثلاثة احتمالات؛ إما أن نكون جسر تواصل (أي همزة وصل واتصال) بين أفريقيا والعالم العربي، أو حاجزاً وسداً منيعاً بينهما (أي همزة قطع وانقطاع)، أو جزيرة قائمة بذاتها راضية بعزلتها عن الجميع. 
لقد أثبتت سياسات التعريب القسري فشلها وهشاشة حصيلتها في الدول ذات التركيبة العرقية الثقافية المختلطة، كما هو الحال في كل من سوريا والعراق، ومثيلها من سياسات «التجنيس الثقافي» الإجباري في دول أخرى مثل تركيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، بينما أثبت منهج التعريب التدريجي نجاعته كخيار عقلاني، كما طبقته تونس وكانت دولة الاستقلال لدينا تسير على منواله أو قريباً منه، رغم الفوارق الجوهرية بين الحالتين الموريتانية والتونسية. فقد توفرت للتعريب في تونس ظروف لم تتوفر له في موريتانيا: نخبة حضرية عريقة (بينما كان المجتمع الموريتاني بدوياً بالكامل)، واتصالا كثيفاً بالمشرق العربي (بينما كان الفراغ الصحراوي الممتد حاجزاً بين موريتانيا وعمقها العربي)، إضافة إلى جامعة الزيتونة التي تمت عصرنتها (بينما ظلت المحاظر الموريتانية عصية على التطوير والعصرنة حتى يومنا هذا)، وكذلك مدرسة الصادقية ذات المنهج التعليمي المزدوج المتين (كان أقرب شيء إليها لدينا هو معهد بوتلميت رغم غلبة المنهج العربي التقليدي عليه). 
ورغم كل هذه الفوارق فقد شكلت التجربة التونسية نموذجاً ملهما لصانع السياسة الثقافية والتعليمية خلال السنوات الأولى لدولة الاستقلال، وأراد بناء نظام تعليمي وثقافي مزدوج اللغة، قوياً وثرياً، على المنوال التونسي ذاته. 
وفيما يخص الفرضية القائلة بأن المؤسسين، وخشيةً من المطالب المغربية بنزع الشرعية عن الكيان الوطني الجديد، أرادوا (عن قصد وعمد) تغليب الهوية الزنجية الفرنكفونية على البلاد وإضعاف هويتها العربية.. أريد أن أثير هنا تساؤلين وأستدل بثلاث روايات.
فهل كان تكريس الهوية الزنجية الفرنكفونية (السنغالية) من شأنه أن يشكل حاجز صد وحماية من المطالبات المغربية بضم بلادنا، ونحن نعرف الموقع المتقدم الذي كانت تحتله اللغة الفرنسية في المغرب الأقصى، ولدى نخبه تحديداً في ذلك الوقت، من جهة أولى، كما نعلم علاقات التحالف التقليدي بين المغرب والسنغال من جهة ثانية؟ 
وهل كان المختار ولد داداه مجرداً من أي وعي أو عاطفة عروبية، وبدرجة من عمى البصيرة الثقافية، إلى الحد الذي يجعله يضحي بهوية هذا المجتمع ولغته العربية، لصالح هوية أجنبية فرانكفونية غريبة عليه؟ 
الرواية الأولى: ما ذكره كل من محمد علي شريف في مذكراته «سيرة من ذاكرة القرن العشرين»، وما ذكره المرحوم سيدي أحمد ولد بنيجاره في مقابلة صحفية قبل عدة أعوام، من أن المختار ولد داداه كان يستميت في البحث عن أي طالب موريتاني أو طالب من أصول موريتانية في الخارج، بغية استقطابه للعمل في بلده الأم، لتعويض الأطر الفرنسيين والسنغاليين الذين كانوا جزءاً من الجهاز الإداري الصغير الذي ورثته دولة الاستقلال.
الرواية الثانية: في عام 1989 كنتُ شخصياً في «عدل بكرو»، وهناك سمعت رجلا مسناً يحدِّث رئيس المركز الإداري ويشير بإصبعه قائلا: تحت تلك الشجرة كنا هنا ذات مقيل مع المختار ولد داداه سنة 1961، وقد خاطبنا قائلا إنه يريد منا أن نتقرى وننبذ الترحال خلف المواشي، وإنه سيبني لنا مدارس ومستوصفات، وإن شاحنات كانت ترافقه بها كل المعدات التي تحتاجها الفصول المدرسية، من سبورات وطباشير وأقلام ودفاتر ومساطر وكراسي، وإنه ما لم يتعلم أطفالنا الآن، ليصبح منا المهندس والمعلم والطبيب والمحاسب والموظف الإداري.. فلن يكون لاستقلالنا أي معنى أو قيمة. 
الرواية الثالثة: حدثني الأكاديمي البارز والمؤرخ المعروف محمد المختار ولد السعد، وقال: كنتُ في تونس عام 1987، وكان المختار ولد داداه يعيش هناك منفياً، فأخبرني أستاذتي التوانسة أنه يرغب في زيارتي إياه. وأصل القصة، يقول ولد السعد، أن المختار خلال حكمه كان ينظم حفل استقبال للبعثات التعليمية العربية الجديدة (التونسية والفلسطينية والمصرية) القادمة إلى بلادنا، كما كان يقيم للأساتذة العرب مأدبة غداء كل عام. وبعد الانقلاب عليه وخلال إقامته في تونس، أراد الأساتذة التوانسة أن يردوا له الجميل، فكانوا يزورونه باستمرار، وكلما زاروه سألهم عن جديد النشر حول موريتانيا. وذات مرة حدّثه أحدهم عن مذكرة تخرج حول «شرببه» أعدها أحد طلابه السابقين في المدرسة العليا للأساتذة. فما كان من المختار إلا أن طلبها منه، فأحضرها له الأستاذ ليخبره أن الطالب نفسه موجود في تونس. وبعد أن قرأها المختار، ألح في طلب رؤية الطالب صاحب المذكرة، أي محمد المختار ولد السعد. يقول ولد السعد: جئته بعد العصر، فوجدته ينهض من سجادة صلاته، وبعد حديث عام وروتيني كذلك الذي يدور بين أي موريتانيين اثنين يلتقيان، بادرتُه بالسؤال: فخامة الرئيس، كنتَ صانعاً مشاركاً وشاهداً على مرحلة مهمة من تاريخنا الوطني، ألا ترى أنه من المهم أن تكتب لنا عن تلك المرحلة وما اكتنفها من مصاعب وإخفاقات ونجاحات؟!
فرد المختار وهو يشير بإصبعه إلى ثلاثة دفاتر من فئة (300 page): تلك الدفاتر بها تسويدٌ بدأتُ كتابتَه منذ بعض الوقت، أرجو أن يبقى من العمر ما يكفي لإتمامه. ثم أضاف: البعض يعتقد أن المصاعب الأكبر هي تلك التي واجهتنا من عمقنا الشمالي، والحقيقة أن المعارك والصراعات مع الجوار الجنوبي كانت أشد وأقسى وأكثر ضراوة. 
ما أخلص إليه من ذلك هو أنه كان لدى نخبة الاستقلال وعي كامل ودقيق بهوية البلاد وطابعها العربي الإسلامي، كما يتضح جلياً من خطابات المختار ومواقفه الدبلوماسية وصداقاته الخارجية، ومن مذكراته «موريتانيا على درب التحديات»، وأن «همزة الوصل» كانت ابتكاراً حصيفاً ينم عن روح وطنية استيعابية إدماجية، تعترف بشركاء الوطن وتحفظ لهم كامل حقوقهم الثقافية وخياراتهم الاجتماعية، إدراكاً لمخاطر السياسات الثقافية القسرية، كما أظهرت نُذَرَها أحداثُ عام 1966 التي كادت تعصف بوجود البلد لولا حكمة بعض القادة النبهاء من أبنائه.

أربعاء, 24/07/2019 - 15:56