هناك مفاهيم سياسية متداخلة، وتبعث كل منها على نمط مختلف من التفكير والتعبير.
تحدث عملية التداخل هذه دون إدراك متحقق عن دقة المعنى الذي نصدر عنه.
فالشباب يفضلون الحديث عن الثورة والنضال والمقاومة والمواجهة.. الخ
وكلها مفاهيم تتلاءم مع طاقتي الإندفاع وإثبات الذات.
لذلك هي مناسبة جدا كوسيلة وحيدة للتعبير عن أحلام مشروعة لكنها لا تزال في طور المراهقة.
يأتي بعد ذلك مفهوم أكثر رشدا لكنه جذري أيضا، وهو مفهوم التغيير.
وهذا المفهوم رائج على المستوى الآيديولوجي فهو يستحضر نمطا قائما ويستدعي نمطا بديلا.
والتغيير بهذا المستوى من الإدراك هو تعبير عن الثورة لكن بعد نزع أداة التعريف، اي أنه يعبر عنها بطريقة أكثر تحفظا وأقل مطلقية.
وبهذا التعريف يكون الفرق بين التغيير والثورة هو الفرق بين القفز للمجهول والقفز للمجهول بطريقة معلومة.
لكن رشد الأمم لا يقع أمامها كما تفترض نظرية الثورة، وإنما يقع خلفها حيث إرثها النفسي والتاريخي.
لذلك ليس هناك فرق يذكر بين المفهومين إلا فيما يخص ملاءمة أحدهما لمرحلة رشد غير التي يناسبها الآخر ( التعبير هو إطلاق التعريف الملائم للنفس التي يصدر عنها المعبر وهو بذلك لا يعبر نفسه في الخارج وإنما يعبر عن أنفسنا في الداخل ، أي أنه ما ينطلق منا معبرا عنا لا ما نستقبله كمعبر عن مفهوم في الخارج )
وكلما اتجهنا للرشد كلما استقرت رؤانا للمفاهيم الاقل حماسا والأكثر تؤدة.
***
ندرك جيدا عدم ملاءة قاموس الإصلاح لحماس الثوار ومروجي مفهوم " التغيير"، وندرك صعوبة الترويج للعمل العقلاني الذي يأخذ عمر نموه ونضجه كاملا.
لكننا لا نمتلك خيارا وطنيا نعتقد أنه أكثر نضجا من الصبر على نمو التجربة الوطنية في ظل استقرار وتفاعل المؤسسات والأقطاب الكبرى ( الإدارة، الجيش، المجتمع).
لم يعتمد خطاب مرشحنا على الإمالة العاطفية ولم يستعطف الحماس غير الراشد.
لقد كان واقعيا ونسبيا ومنفتحا وأخلاقيا.
وبالرغم من تفهمنا لما ينتظره الثوار إلا أننا نعتقد بأن بعض الانتظار مسكون بنفسه لا بالمنتظر.
وريثما تدرك الآيديولوجيا مقتضيات التغيير وعلاقته بالرشد، سنمضي في خيارانا.
وندرك جيدا بأن "التغيير المدني" طويل النفس ولا يتأتى بحماس من قبيل " الآن الآن وليس غدا " .
حتى "اتشرشيم" يحتاج لوقت كاف.
.jpeg)









