بيان العشر الأواخر!

Khaled Elvadhel

قبل زهاء عشر سنوات من الآن؛ غمرني شعور متوثب عند مشاهدة رأس "محمد ولد عبد العزيز" يبرز من بين ناطحات السحاب فيما عرف يومها بموريتانيا الجديدة أو بداية "العرض"؛ كانت لقطات الحي الساكن كفيلة بإثارة عواطفي السياسية الخاملة؛ وكنت أيامها طالبا مغمورا وخجولا في جامعة نواكشوط غير بعيد عن القصر الذي حاولت جاهدا دخوله أيام سيدي ولد الشيخ عبد الله من بوابة صلاة الضحى؛ عندما استحدث مسجد القصر قرب أسواره العالية وكان طريقي بين محل السكن والجامعة يمر من هناك. صدقا؛ لا أعرف لماذا أردت دخول القصر الرمادي حينها! ربما لأعرف أيهما أصعب؟ الدخول إلى القصر أم الخروج منه؟ كنت متحمسا مع بداية العشرية لما لمست في خطاب عزيز أيامها من الحدة في محاربة الفساد؛ سرطان البلاد الذي ظل يتضخم فيها لعدة سنين وسنين؛ لدرجة قررت فيها أنني إذا رزقت بغلام سأطلق عليه "عزيز" أما إذا كانت جارية فلا مشكلة؛ نضيف التاء المربوطة وتصبح "عزيزة" لغتنا جميلة ومرنة. المؤسف في الأمر أن صغيري "عزيز" لم ير النور طيلة العشرية بسبب الانقاطعات المتكررة للكهرباء؛ وآخرها كانت ليلة البارحة حينما انقطعت الكهرباء عن التلفزة الوطنية على الهواء مباشرة؛ التلفزة التي بصدد بيع قطعة من ترابها ربما بغية شراء ألواح للطاقة الشمسية لتمدها بالإضاءة النظيفة؛ نفس الأمر حدث مع نهائي (كأس الملك) عفوا (كأس الرئيس)؛ عندما انقطعت الكهرباء لخمس دقائق وراح اللاعبون يتخبطون في الظلام، قليلون يجيدون لعبة الغميضة وهي لعبة عويصة ستكون عنوانا حركيا لتبادل السلطة، وهي ما تفسر هذا الهرج والمرج الذي تشهده الساحة السياسية هذه الأيام، لقد امتزج اليمين بالوسط وباليسار، وإن شككت دائما بوجود مثل هذه الاتجاهات المحددة داخل نخبتنا السائلة فنحن شعب لا يحترم كثيرا قانون السير. أما تبادل الكعكة؛ فأعتقد بأنه يتطلب وقتا أوسع من فرز النتائج بعد يوم شاق من الاقتراع.
لا أريد أن أتحامل على العشرية حتى لا أغضب الموالاة الجديدة(المعارضة القديمة) ولا أريد أن أجاملها حتى لا أغضب المعارضة الجديدة(الموالاة القديمة)، في حقيقة الأمر؛ لقد أصابتنا نخبتنا " الموقرة" بالجنون منذ بدايات الحركة "التصحيحية" كما قال معارض ذات يوم مشمس من أغسطس آب؛ وحتى "استمرار النهج" كما قال عتاة الأغلبية بنسخهم الأصلية والمهجنة..
المؤلم في كل هذه الكوميديا السوداء؛ هو فكرة شائعة نسمعها دائما داخل البيوت والصالونات والطرقات كلما قرعت أجراس الانتخابات؛ وهي أنه ولكي تستفيد على الصعيد الشخصي يجب أن تدخل دوامة السياسة بمنطق يرتكز على المنفعة المادية والوظيفية وحسب، فبدل أن نبصر الشباب يحتج على البطالة وسوء الخدمات سواء كان في الموالاة أو في المعارضة نجده يتذيل مبادرات جهوية وقبلية مقيتة ويكتفي من الغنيمة برؤية ابتسامته البائسة في إحدى القنوات المحلية التي تسدد فواتيرها من ريع بث المبادرات المنفوخة بممثلي الكمبارص وهم الممثلون الذين نراهم دائما في الأفلام والمسرحيات لا يتكلمون؛ فقط يأتون لتكثير سواد البطل.
لا أفهم كثيرا في السياسة ولا في أبعادها المتغيرة من وقت لآخر. فهي تحتاج لنفس طويل وفطنة وبعض المكر ولوجه منزوع الماء(وجه من تنكرد)؛ مع أن الانقطاعات المتكررة للماء في الدواخل تجعل الشرط الأخير يسيرا لما كان يقطن فيها مثلي؛ وصام فيها؛ حيث يشتد الظمأ فيها مع عبور الشمس لكبد السماء؛ ساعات قبل سماع آذان المغرب. أما سكان العاصمة فإنهم قوم لا يشربون الماء بسبب الطقس البارد؛ لذلك وجوهم رطبة من ذكر غلاء المعيشة وصعوبة توفير السمبوسة والبطبوط على مائدة الإفطار كل يوم.
إن سماء الوطن هذه الأيام ملبدة بغيوم السياسة؛ ولقد تعبت من حمل مظلة (تكنوقراط) في وجه أمطارها منذ امتلكت بطاقة تعريف بلاستيكية تتوسط زاويتها السفلى صورة شاحبة غير ملونة لمواطن يحمل رقم تسلسليا لا يحفظ تتابع أرقامه لأنها لا يذكره بشيء محدد!
نعود للبيان:
بعد تفكير ليس بالعميق؛ ودراسة مستعجلة جدا للساحة السياسية؛ وانطلاقا من مصالحي الشخصية وما حظيت به من تربية ومشاهدة لمسلسلات الكرتون خاصة تيمون وبمومبا(الهاكونا متاتا) وفلة والأقزام السبعة؛ بالإضافة لكوني موظف يبحث عن ترقية مباركة في شهر رمضان المبارك. قررت وأنا في ثلث قواي العقلية أن أشمر عن ثيابي وأدخل السياسة بستة وجوه في بادئ الأمر على أن أتخلص من خمسة منهم؛ وأبقي على واحد فقط يوم الاقتراع أو حتى قبل ذلك؛ أو أتخلص منهم دفعة واحدة وأصوت للخانة البيضاء بأسفل القائمة فهي تشبه قلوب المواطنين الذائبة في جحيم الانتظار منذ عقود.
هناك ستة متسابقين أمامي؛ لم أصافح أي منهم أو أراه عن قرب كي أشم رائحة (ضميره)؛ إن حاسة الشم هي الأقوى لدي من بين الحواس الخمس؛ الستة هم:
-ولد الغزواني: تقاعد من الجيش أواخر العشرية؛ يبدو كيسا وكثير الحديث عن الأخلاق وهو صديق لمحمد ولد عبد العزيز؛ تجنرلا معا وأطاحا بالديمقراطية معا؛ وكل منهما يشاع بأنه فاحش الثراء؛ ربما هي محض شائعات لا أدري؛ فلم أتناول مع أحدهما العشاء أو أرافقه إلى البنك ليقبض راتبه مصدر دخله الوحيد من المال العام. يقول الشاعر:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي
إن كان ما قاله الشاعر صحيحا؛ فهذا يعني أن استمرار النهج حتمي، لكن هناك اختلاف طفيف لاحظته؛ غزواني أكثر تمسكا بالدراعة من صديقه؛ كما أنه قليل التحدث عن الفقراء والتنمية؛ تركيزه منصب على الأخلاق وهذا ما جعله مناصريه يلقبونه بمرشح الأخلاق على غرار ما أطلق على صديقه بداية العشرية؛ رئيس الفقراء. يبدو غزواني الأوفر حظا نظرا لعدم حياد السلطة. أرجو منه إذا وصل إليها بعد شهرين بسلام؛ أن يبني الوطن بدل الانهماك في بناء نفسه كما حاول قرينه في أوائل هذه العشرية قبل تقهقره حتى أكون منصفا حياله؛ أو طيلة العشرية كما تقول بذلك فئة عريضة من المواطنين تريد (استمرار النهج)؛ وهي فئة نحترم رأيها سواء انقطعت الكهرباء أو لم تنقطع.
- ولد بوبكر: تقاعد من الوظائف السامية في العشرية أيضا؛ رجل أنيق الملبس ومثقف ويقرض الشعر؛ لم يقل لا قط في وجه أي نظام؛ ربما لأنه تكنوقراط وفضل أن يعمل تحت عباءة الأنظمة حتى يخدم بلده بخبرته وعلمه أو يستقيل إن رأى ما لا يعجبه؛ وهو لم يستقل؛ أي أنه كان راضيا عن فساد الأنظمة التي خدم معها. هو مدني وخبرته الإدارية والمالية واسعة ربما يصلح لقيادة البلد في المرحلة الغازية الحرجة. يحظى بدعم تواصل وهم الكتلة الانتخابية الأكبر بعد حزب النظام؛ مع أنها شهدت مؤخرا تسربا في اتجاه السلطة؛ لاحظت عند مشاركتهم إفطارهم السنوي ذلك؛ فقد تغزون أطاجين الأمسية فلم نشاهده باستنثاء أعواد مكسوة بقطع لحم تم توزيعا هنا وهناك. أتمنى لهم التوفيق وغرس نخلتهم في القصر.
- ولد عبيدي. سطع نجمه أيضا في العشرية. إنه يشبه بعض الرسوم الايحائية المزدوجة التعابير. إن رأيته من الزاوية الحقوقية رأيت مناضلا شرسا للغاية قفز بقضية الرق وآثارها الماثلة إلى المحافل الدولية وجعلها داخل البلد حديث الجميع مما جعلها تناقش بشكل جاد أكثر من أي وقت مضى!. أما إذا ما رأيته من الزاوية السياسية فإنك ترى بعض التصرفات المبهمة التي لا يمكن مطلقا تفسيرها إلا بوجود علاقة ما في فترة من الفترات مع السلطة العميقة. تعجبني ثوريته وصراحته جدا وإن بالغ في أختيار ألفاظه المؤذية لبعض الشرائح؛ تطرف يعرف هو بأنه للاستهلاك الإعلامي فقط ويستحيل تطبيقه على أرض الواقع. أتمنى له أن يدخل القصر ويحرر الكرسي الرئاسي من عقدة الرجل الأبيض كما فعل أوباما.
- ولد مولود: عارض في العشرية وقبلها. من أقل رجال المعارضة أخطاء سياسية؛ صبور ومتواضع. وقد انتخبته في الانتخابات البرلمانية الأخيرة لكن أداءه البرلماني لم يكن ما أتمناه؛ مداخلاته في الدورة الأولى كانت خافتة للغاية. أتمنى له الوصول للقصر؛ وأظنه سيكون رؤوفا بالتعليم وبالفقراء ولا أزكي على الله أحدا.
- ولد الوافي؛ هذا الشاب لا أعرف عنه الكثير؛ لاحظت أنه يضع شعار الإبريق؛ أتمنى له أن يتناول الشاي في القصر الرئاسي؛ وأتمنى أن يكشف عن خطوط برنامجه ورؤيته أكثر؛ فإذا حظي بأصوات الشباب فسينجح؛ فهم الغالبية العظمى في البلد.
- حاميدو بابا: رجل محترم؛ ليس حاضرا بقوة في الحلبة السياسية خصوصا المعارضة. يبدو من ملامحه بأنه رجل دولة؛ لا أعرف عنه الكثير؛ أتمنى سماع برنامجه الذي ينوي تنفيذه في حالة نجاحه؛ وإن كان خطابه بالفرنسية غير مساعد على الفهم ويعتبر (فونگرة). حبذا لو تحدث بلغاتنا الوطنية. البولارية-السونكية-الولفية-الحسانية.
على كل حال سوف أضع المتسابقين الستة في المختبر ريثما يتضح لي أكثرهم انسجاما مع قناعاتي التي أعتقد جازما بأنها مجرد فقاعة. وسأبرر لكم موقفي في جميع الأحوال؛ سواء تغزونت أو تبركنت أو تبرمت أو تمولدت أو تمرجيت أو تحمديت. فهناك قدحان يمكن إذابة معظم المواقف فيها، وهما الواقعية والمثالية. 
هنا نواكشوط(الحي الإداري). الجو بارد هنا ولا أشعر أنني صائم إلا عند رؤية مائدة الإفطار. لقد صمت بعض رمضان في الداخل؛ حيث درجات الحرارة فوق الأربعين والعطش يشتد مع منتصف النهار. المرشح الذي يكمل بقية رمضان في الداخل صائما وعاملا في النهار كبقية المواطنين البسطاء سأصوت له دون تردد.

اثنين, 27/05/2019 - 12:40