عشها وتوكل!

Khaled Elvadhel

قبل حوالي أسبوعين من الآن وليس غدا؛ كنت عائدا من آخر عطلة جزئية من العام الدراسي. في منتصف الليل دلفت قلب مدينة باسكنو الذي تباطأت نبضاته وتكور من حوله الصمت رغم دنو زيارة "مرشح الإجماع" آنذاك. لم أظفر بسيارة نقل تكون لي حصان طروادة لتحملني إلى مدينة فصالة المستقلية عند حافة الخريطة القريبة. كان النوم في قلب المدينة واقع لا مناص منه؛ مع أن معظم الدكاكين أغلقت أبوابها بكل إحكام؛ وجل العابرين كانوا محصورين داخل أسراب متقطعة من المراهقين تجوب الشوارع بشكل غامض كقروض البنوك العالمية والدول المانحة عندما تسلك أروقة الخزينة العامة لدولتنا كشف الله أسرار مترفيها. كان هناك مطعم صغير مركون بين الدكاكين حسبته مفتوحا لشدة بقايا روائح التوابل التي تنبعث من محيطه. أما شركة النقل التي كنت داخل أحد صناديقها المعدنية الكتيمة فإن محطتها ستبقى موصدة حتى الصباح كما أفصح السائق عن ذلك وهو يتمايل من التعب. نزلت من الباص وثيابي تفوح منها رائحة السمك الذي ذاب بعض الثلج الذي كانت يحميه عندما تم وضعه فوق الباص ليتسرب مرقه حولنا. عندما كنت أسيرا فوق أحد مقاعد الباص في الطريق فاجأني اتصال هاتفي جد مرموق من أحد المترشحين للرئاسة مستفسرا عن حال التعليم كمدخل ربما لحكاية أخرى؛ شكرته على التواضع الذي قاده للتواصل مع (كاتب مغمور مثلي)؛ ثم قلت له بأنني مسافر والباص مكتظ "بالأصوات" التي ستشوش لا محالة على جودة المكالمة؛ أوصاني بمعاودة الاتصال به. عند وصولي لمدينة باسكنو بدأت في ترسيم خارطة معارفي الضيقة في منازلها المتجلية أمامي مثل لوحة مغطاة بضباب شفاف؛ كنت أمر منها للمرة الثالثة على التوالي مرور "ترانزيت" الذي يشبه مرور الكرام. في خضم البحث عن مكان للمبيت تناسيت مكالمة المترشح لرئاسة البلاد. إنني لست اجتماعيا وسريع التفاعل وهو ما لا ينبغي أبدا لفرد ترعرع في مجتمع ثرثار يتهم كل إنسان يطيل تأمل الغروب بالإصابة بالتوحد، فعلا الواقع يقول إنني أكثر تقوقعا وانكماشا من رواتب المدرسين ويكفي ذلك من الانكماش. لذلك تتجلى مساحة معارفي ضيقة مثل مساحة رقعة شطرنج يتساقط معظم بيادقها كلما تقدم لاعبوها في المراوغة بشكل سلس؛ ليباغتوا الملك "المنتشي" بحصار مميت. كان من أبرز المعارف داخل المدينة شاب هاجر مؤخرا لبلاد العم سام متأبطا أحلامه؛ تلك الأحلام التي تحولت داخل وطننا إلى أشياء غامضة وبعيدة تبتلع أعمارنا كما تبتلع الثقوب السوداء الزمكان. أما بقية المعارف فإن البحث عنهم في أرشيف مسنجر؛ فكان يتطلب مني جهدا مضنيا جدا بسبب تراكم نوعية الرسائل الغزيرة للغاية من قبيل لا تتركها تتوقف عندك، مررها. في تلك الليلة المتشردة الخيارات فكرت في أصدقاء الفيسبوك مع أنهم شريحة مبهمة للغاية ولا يعول عليها كثيرا مثل سماع (وخيرت) وسيل المبادرات المطاطية في هذا الوطن الواقف على قدميه بكل ثبات رغم ارتفاع معدلات البطالة والتدهور في جودة الحياة والخدمات العامة والخاصة. في عمق البلاد وبسبب كرم الضيافة وعفوية الناس المتقلصة نتيجة الأقمار الصناعية كان يمكن دخول أي منزل كضيف عابر خاصة في تخوم الأحياء النائية؛ بيد أن تأخر الليل وانحسار الأصوات في أهازيج الرياح جعلا من التوغل في شوارع المدينة لغير مألوفة غير حصيف وربما يطوقني بالشبهات؛ خاصة بأن بطاقة تعريفي كاد الشرطي المدوام بداخل المخفر أن يحتجزها حتى الصباح؛ قبل أن أخبره بأنني أستاذ عائد لمدرسته ليطلق سراحها على مضض. لست أدري لماذا يتفرس أفراد الشرطة ملامحي بإطناب؛ بالرغم من أنني قمحي اللون وأدعج العينين وهلالي الحواجب وحلزوني الجمجمة وبارز المنكبين وممغنط الحبال الصوتية ونحيل الساقين وأتناول مشتقات القمح مرتين في اليوم كبقية المواطنين الأبرياء. لم استفسر مطلقا عن خدمة الفندقة داخل المدينة؛ فإن علمت الوزارة المكلفة بتحنيط التعليم بأن أحد رعاياها قام بتأجير غرفة مؤثثة ومكيفة في أحد الفنادق ليبيت فيها؛ فسوف تتهمه بتبييض (راتبه الزهيد) وبالإثراء لغير مشروع لتقوم حينها بترقيته لمدير دروس تثمينا لجهوده الجمة في خدمة الوطن على سيقان نحيلة ومعدة خاوية والتفاني في الصبر والأمل ومسح دموع السبورة بقطع الأسفنج المنزوعة من الوسائد والأسرة القديمة لدى العوائل المحيطة بالمدارس.
أثناء التجوال القسري داخل قلب المدينة تجلت لي خيام بيض منصوبة فوق ساحة ملتقى طرق المدينة الرئيسية والفسيحة. استفسرت عنها فقيل لي إنها خيام غزواني الملقب بمرشح الإجماع الوطني؛ وأنها بنيت له ليستظل بها في زيارته المرتقبة إلى مدينة باسكنو؛ دنوت منها بخطوات متثاقلة والقيت السلام على من بداخلها؛ ردوا بتحية أثقل منها. استأذنتهم في المبيت فرحبوا بي. لما استلقيت؛ شعرت بالتوجس والارتياب من انفتاحها على الليل والأرصفة، فأخذت لثامي وكورته على رقبتي ثم أدخلت بقيته بداخل حلقة حقيبتي وربطت أطرافه بإحكام وحولته لدائرة مغلقة تشبه جهاز الانذار المبكر حتى إذا سحبت حقيبتي وأنا نائم التف اللثام حول رقبتي واحتك بها بشدة فاستيقظ أنا. نمت وأنا أقول في نفسي: ليلة واحدة من "التغزون" لا تفسد للكدح أي قضية. كما أن التغزون ليس شقلبة سياسية بقدر ماهو تقدير وقراءة منسجمة ربما مع مسار "الوعي البطيئ" داخل مجتمع يهدم سلبياته ببطء؛ ويرمم محاسنه بتردد تربكه الحداثة وزحمة العولمة والمطبات التنموية.
استيقظ ضميري في الصباح الباكر. رأيت مدينة باكسنو بوضوح شديد؛ رأيت باعة الخبز والناقلين والمحلات تفتح أبوابها الموصدة، رأيت المسافرين يحملون أمتعتهم في أحواض رباعيات الدفع المركونة في الأرصفة. جلها كان متجها لسوق فصالة الأسبوعي الذي لا ينقصه سوى أن يتواجد فيه شعراء التفعلة حتى يكون كسوق عكاظ أيام النابغة والأعشى؛ حجزت مقعدا متقدما في رباعية دفع بيضاء القسمات. دلفت البقالة المجاورة لشراء الفطور والرصيد. كانت هناك سيدة تشتري الفطور؛ اشترت من البقالة حليب "انكادي" المحلي الصنع؛ هممت أنا بشراء لبن مستورد من ألمانيا وكانت لهما نفس التسعرة وهو أمر غريب نظرا لفارق المسافات والجمركة. بطريقة ما أقنعتني السيدة الفاضلة بأن حليب "انكادي" أفضل؛ مع أنني أتذكر طعمه المتواضع. تحدثت السيدة عن برودة الطقس ليلة البارحة وأنها ربما من بشائر زيارة غزواني لباسكنو. يبدو أن السيدة الفاضلة حسبتني إطارا مطاطيا في الدولة العميقة جاء من مكان بعيد من أجل مصافحة مرشحها وخالتني ارستقراطيا مع أن ملامحي لا توحي بذلك؛ باستثناء أحذية "بيرتوزي" التي انتعلها وفضفاضة "فنير" الشفافة والصقيلة بالإضافة إلى حقيبتي السوداء المحشوة بالكتب وبضائع(آفاركو)؛ والصلعة التي تزداد لمعانا منذ قدومي لقطاع التعليم معصوب الأحلام. عدت لصاحب (الهيلكس) الذي أصبح جاهزا لينطلق. وقد سلك طريقا غير التي تمر على مخيم انبرة للاجئين الأزوادين الذي زرته في فبراير وتفاجأت جدا من حجم المساعدت لسكانه النازحين؛ أرز وزيت وصابون وغلاف مالي ضئيل هم "المنحة الشهرية"؛ وأجزم بأن تلك المعونة لا تكفي لمؤونة أسبوع أحرى شهر. كنت محاطا بمجموعة ريفية من تجار الحيوانات في طريقها للسوق الاسبوعي وقد استمتعت بأحاديثهم المستديرة عن البيع والشراء. أحب الكادحين كثيرا؛ مع أنني لست كادحا بالمعنى السياسي والفيزيائي لهذه الكلمة. الطريق المعبدة لمدينة فصالة قطعت تقريبا ثلث المسافة بينها وبين باسكنو؛ وتقترب من قرية (كوصنة) ذات الاسم الموسيقي. قبل عام من الآن لم أتصور زيارة مدينة فصالة والعمل بداخلها. لكن يبدو لي أن القدر يخطط أحيانا لأشياء لم نكن نخطط لها سلفا. عندما أسير في أزقتها مساء أتعجب من وصول أقدامي لتربتها، ومن وجوه العابرين الذين لا يعرفون اسمي مثلما لا أعرف اسماءهم. إن المدن تشبه الكتب الورقية؛ لن تفهم عناوينها وتفاصيلها إلا إذا تنقلت بين صفحاتها بأصابعك وقلبك. لا أدري أين سأكون في العام القادم؟ ربما أكون هنا في مدينة فصالة أسحب راتبي لأحوله إلى جدار من الاسمنت تاركا حقائبي تتحول إلى أشجار كثيفة الظلال وربما أجد نفسي أستاذا في مدينة مدينة "بير أم كرين" في أقصى شمال الخريطة؛ وربما أكون ذائبا تحت أديم الغياب. ربما أجدني أبيع الهمبرغر بأحد مطاعم نييورك الصغيرة مع رب عمل من اليمن؛ لا أعرف بالضبط ماذا سيحدث لاحقا؟ مع أنني أخطط لكل شيء. على أية حال؛ كل ما سيحدث سيكون جميلا؛ إذا ما تزامن حدوثه أثناء التصالح مع الذات والضمير. أجزم أن صعوبة الحياة تكمن فقط في رفض تقبل نصيبنا منها ومهما كان ألقه؛ لامعا أو خافتا، كما أن سعادتها تكمن فقط في تقاسم نصيبنا منها مع الآخرين.. 
هذا النص المتشعب كتبته منذ أسبوعين لكنني قررت أن أقتله بعدم نشره. كان يمكن أن يموت للأبد مثل نصوص أخرى تشكلت في وجداني وقمت بأجهاضها. حينما حرم الله قتل الأنفس وأعتبره من أكبر الآثام؛ كان ذلك كافيا لجعل عقولنا تؤمن بالتوازي مع قلوبنا. أشعر أحيانا أن القتل يتعدد ليكون في كثيرا من الأشياء من حولنا. قتل الابداع؛ قتل النباتات دون سبب وجيه، قتل الجمال وقتل الحب وقتل الفرص التي يمنحها الله لنا؛ وقتل الحماس عند الآخرين وقتل الفرحة والأمل في قلوبهم؛ كلها آثام نرتكبها بقسوة دون أن نشعر حيالها بالندم إلا في وقت متأخر من الحكمة والتقدم في التفكير والعمر.. 
هنا فصالة. الغربان أصبحت تحلق في علو مرتفع للغاية والصيف أقبل يتصبب عرقا؛ رمضان يطرق الأبواب. أما الماء البارد فأصبح أكثر لذة من الحلوى؛ ظلال المنازل تتمدد مع أحاديث المساء والقمر يسهر بمفرده كل ليلة في السماء؛ لا أحد يبادله الحب سواي ووكالات الفضاء الدولية. رغم شحوب الظروف إلا أنني أكثر سعادة من أي وقت آخر. تضامني التام مع الأساتذة في إضرابهم من أجل تحسين ظروفهم المعنوية والمادية.

اثنين, 22/04/2019 - 13:03