مرت هذه العبارة الثنائية على لساني عفويا أثناء حديث هزلي مع شخص يعذبني بتتبع شوارد الفكر الملهمة .
ويبدو أن العبارة قفزت من ذاكرة منعزلة وصدئة إلى حيز التذكر اللاواعي ، إذ أنني تذكرت لاحقا بعض حيثيات هذا الترادف المتوهم ، في مناطق مشتتة من العلوم ، منها الفلسفة والمنطق وأصول الفقة والعقيدة وحتى التصوف .
لأن الفرق بين هاتين الكلمتين شرعت له صفحات كثيره باعتبار التعريف وسيلة يتعلق بها الكثير من المفاهيم .
لكنني سأتعرض للفرق بينهما من منطلق أقرب للفلسفة وعلم النفس الإجتماعي منها إلى شيء آخر ، وذلك للولوج إلى الغاية من المنشور بدلالات متفق على تعريفها .
***
ليس كل قوي مقتدر ولا كل مقتدر قوي
فالقوة هي طاقة كامنة بينما القدرة وسيلة القوة للنفاذ إلى حيز الفعل .
القوة بهذا التعريف هي ثروة معطلة امام عجز القدرة ، والقدرة ثروة ناقصة أمام نقص القوة .
***
موجبه ...
تسمعون كثيرا عبارات من قبيل " نحن شعب ينقصه الوعي " نحن شعب تنقصه الإرادة " " موريتاني ضعيفة " ... الخ
مما يعترض ممهدات الإنطلاق نحو معركة التغيير
ولمناقشة هذه الدلالات من الناحية النفسية ، لا نحتاج كثير عناء ، فكما تعلمون جميعا ، أن المجنون يكون مجنونا لكون غيره عاقلا ، ولذلك يكون الحكم عليه منطلقا من رؤية تقع خارج حيز الجنون .
لكن هذا القانون المنطقي لا يعمل وفق ذات القاعدة حين يكون الإعتلال جماعيا ( عقدة إجتماعية ) ، وهو ما يترتب عليه أن يكون التشخيص من القلة الفرادى وليس العكس ( كما في حالة اعتلال الفرد ) .
بمعنى أن الحكم على المعتل الفرد يكون من الجماعة غير المعتلة الأفراد ، بينما الحكم على العلة الجماعية يكون من الفرد منها ، أو القلة .
وسأتناول قصة نقص الوعي لكشف لبسها الجماعي ، كمثال وقاعدة لتناول القضايا الأخرى علميا ( علم النفس الإجتماعي ) .
من يتحدث عن نقص في الوعي يكون في الغالب متحدثا لأناس يعتقدون ذات الإعتقاد ، ويمكن أن تسأل أي فرد اليوم عما إذا كان الشعب الموريتاني واعيا ، وسيرد عليك بالنفي دون تردد .
لكن حين تسأل ذات الفرد عن معرفته اليقينية بوجود الفساد في بلادنا ، فسيجيب دون تردد بالإيجاب ، وكذلك سيفعل حين يجيبك على استبيان شامل عن ضعف التعليم وعجر الصحة ، و شلل التنمية .
وحين تسأله عن ضرورة الإصلاح ستجد بأنه يدرك بشكل موسوعي ما ينبغي أن تكون عليه الامور في البلاد وضمن مقاربة واقعية يعرف صاحبها حجم الموارد مقابل حجم التوقعات أو الأحلام .
حين نضع استبيانا كهذا على جدران المدارس وأرصفة الطرقات وطاولات الوزراء والوزراء وفي قاعات الجامعات ، وظهور " شاريتات " ، فإننا سنجد نتائج متقاربة إلى حد التطابق ، ولن نضن بعلامات مستحقة تفوق الإمتياز . ( اللهم إنا نسألك جامعات وطلابا ومعاهد ومراكز بحث ، تعرف طريقها للدراسات الإحصائية ، فإنها سهلة وممتعة ) .
لنرجع إلى صاحبنا " الفهلوي " ونسأله ، من أين جاء بتعميم أننا شعب ينقصه الوعي ؟
وحينها لن نتمكن من سماع صوته ، إلا إذا تحدث عن أسعار السجائر أو إكتظاظ الشوارع بالسيارات .
ما نتداوله في هذا المثال ، هو تماما ما نتداوله عن أمثلة أخرى كثيرة ومريرة .
وحديثنا هو محاولة نفسية سهلة لتجاهل القوة التي لا تستدل طريقها لواقعنا بالقدرة .
فعكس القدرة هو العجز ، والعجر من أكثر الصفات استنفارا لطاقة الإنسان التبريرية نفسيا ( تمويه للتخفيف من وطأة المسؤولية ) .
والعجز صورة معاكسة للقدرة ولا يتاتى إدراك العجز دون إدراك القدرة ، ولذلك لا يكون العجز عجزا إلا حين يلح مطلب القدرة ، و لا يلح مطلب القدرة إلا حين تتحقق القوة ، لأن وطأة ضمير العاجز تزداد مرارة كلما بلغت القوة الحناجر إزاء تنمع القدرة .
ولم أر في عيوب الناس شيئا ** كنقص القادرين على التمام
لهذه الاسباب النفسية ، نحن نتنكر للقوة لغرض التخفيف من وطأة العجز ، وللهرب من مسؤولية الإعتراف بضروة مجاسرة الإقتدار .
قال أحدهم لأخيه الحافظ لكتاب الله " بركة ال فصدرك من كتاب ملان " فرد عليه الأخ " وأنت أمالك مكد كاشوشك " وهي يلمح لكونه أحفظ منه .
نحن إذا مقتدرون لأننا نمتلك كامل الوعي كما نمتلك كامل الأهلية ( وفق الإستبيان ) ، وتحيق بينا كل بواعث التحرك ، لأننا فقراء ومرضى وجاهلون ، ونمتلك كامل الأدوات ، لأن كلا منا يدرك حجم الثروة وقلة العدد .
فماذا ينقصنا إذا ؟
تنقصنا القدرة ، والقدرة هي منزع ذاتي متحرك بيننا وبين أثرنا في الواقع ، ومالم نصرف كل طاقاتنا - الموظفة في تعاطي الوهم وإدمانه - إلى حيز الفعل ، فإننا سنظل نتنكر لقوتنا الكامنة والمتأتية والحاصلة في حيز الحقيق .
لأننا بذلك نمارس تقنية نفسية لتاجيل الألم أو توريثه .











