أزمة المعايير عند المعارضة الوطنية

أتابع عن طريق هذا الفضاء الكثير من المواقف المتباينة حول الأطياف والأحداث السياسية.

و بشكل يومي أمر على مبررات وحجج مساندة لتلك المواقف.
ولم اعتبر نفسي يوما وصيا على نوايا الناس ولا دوافعها، لذلك أحتفظ بتلك المبررات في أرشيف الذاكرة إثراء لمعرفتي بالمنحى النفسي والسياسي العام.

لكنني اليوم سأتطرق لبعض هذه المعايير للإسهام في عملية الفرز النوعي لمواقفنا.

لا لنقد المواقف ذاتها وإنما لتحسس الأسس التي نصدر عنها كمعايير عامة.

تساءلت في منشور سابق عن مبررات لا ونعم، التي تؤطر مواقفنا.

فكانت الإجابات مطابقة لسلسلة من المعايير سبق وأن لاحظتها إبان تفحصي في السنوات الماضية.
وسأذكر بعض هذه المعايير مبينا حجم تناقضها..

1- العسكر ملة واحدة :
يتحدث احدهم عن شجاعة صالح ولد حننا ووطنيته ويثني على مواقفه النضالية، في ذات الوقت الذي يتحدث عن ملية العسكر الواحدة.
فلم أتلمس اي خلاف بين بيان صالح الذي كان معدا لنجاح الانقلاب الذي قاده، وبين كل البيانات رقم واحد.

فهل كان فشل صالح في الوصول للسلطة كافيا لجعله بطلا مغفور العسكرية والعقلية الانقلابية؟

كما تحدثت عن نهضات كبرى قادها عسكريون انقلابيون حكموا وهم يلبسون كل نياشينهم.
وتحدثت عن عسكر حكموا بعد تقاعدهم وانتخبتهم شعوبهم بعد أن انتهت خدمتهم ولبسوا بذلاتهم المدنية، وكانوا علامات فارقة في تاريخ بلدانهم.

وتطرقت للكثير من النماذج التي لم أجد حتى الآن من يمعن النظر فيها قبل أن يدخل في تقييم لشخصيتي ونواياي ويتدحرج كاليرقة بلا رأس او ذنب.

2- غزواني امتداد لعزيز :

لم يكن غزواني في الانقلاب على ولد الطايع سوى غزواني ذاته في الانقلاب على ولد الشيخ عبد الله.

فلماذا كانت الأولى خطوة تغيير بناءة وكانت الثانية انقلابا عسكريا؟

غزواني وعزيز ضابطان شغوفان بالسلطة والريادة وكانت مواقفهما مخلخلة لبنية فساد وركود طالت ثلاث عقود من تاريخ الدولة دون أي ذكر للتنمية ولا المشاريع.
مع استفحال منقطع النظير للفساد.

فلا ادري باي منطق رقمي يمكن المقارنة بين عقود ولد الطايع ومن سبقوه منذ العام 78, بعشرية عزيز.

واعتقد أننا أمام مقارنة كهذه سنحتاج الكثير من الدربة الواقعية والضغط على العواطف حتى نتمكن من الولوج لحسابات الأرقام والشواهد العملية.

لذلك لا اعتقد أن التباكي على ماقبل عزيز سيكون خاليا من عواطف مشوبة بالكثير من التحامل.

على أنني هنا لا اغص الطرف عن حساب ثمن المرحلة ولا الفشل الذي اعتراها في قطاعات متعدد منها التعليم، والفساد غير المبرر على مستويات وضمن دوائر ضيقة في رأس السلطة.

3- الضدية المترتبة عن الانقلابات وشركاء الانقلابات :
نسمع هذا الإعتراض ممن حضروا ووقعوا على اتفاق داكار كمرحلة تجاوز وافق عليها الجميع.
ووفق الاتفاق فإن ما بعده ليس منطقة عمل وفق معايير ما قبله.
لأن الانقلاب كان قبله وحكم العسكر لابد وأن يؤطر قانونيا..
فبعد تجرد عزيز من رتبته وبذلته العسكرية فإن ما بعد داكار كان مرحلة حكم مدني لرئيس منتخب تحت إشراف وإدارة المعارضة والرقابة الدولية.

وهذا يفيد بأن التعدي على خيارات الشعب بالتسفيه والتبخيس واستدعاء كل المراحل التي تم تجاوزها باتفاق الموريتانيين، ليس سوى محاولات لتقويض التاريخ وتقزيمه.
ومن ذلك هستيريا الرحيل التي قوضت الالتزامات واستعدت الفوضى لوطننا لمحرد التبعية الايديولوجية.

ثم دعونا نذهب إلى ما قبل داكار..
فاغلب المتحدثين عن حكم العسكر وملتهم، هم من اتباع الذين وقفوا مع العسكر بوصف انقلابهم كان "خطوة تصحيحية" والحديث هنا ليس لضباط عسكريين ولا شيوخ قبائل، وإنما لساسة مدنيين خبروا دهاليز المصلحة ولم يكن بهم تلك اللحظة أي مس من جنون ولا تبعية للمصالح الشخصية.

فلماذا لم نسمع من اتباعهم نغمة "حكم العسكر" حين الجمتهم المرحلة بواقعيتها باعتبار العسكر اعادوا الكرة لتصحيح المسار الذي بدؤوه في انقلابهم على ولد الطايع.

ثم ماذا عن من شاركوا عزيز عمله بنجاح في قطاعاتهم المسندة إليه ويحظون بكامل الثناء والمساندة بعيدا عن عواطف السياسية والتخندقات وباعتبارهم موظفين أكفاء حولو قطاعاتهم إلى ميداين عمل ونجاح؟

إذا كان ولد يحي ( كمثال) عمل على تأسيس حقيقي وناجح للرياضة، وجعل كتيبة المرابطون تنافس عالميا ويحسب لها ألف حساب، فلماذا نضن بهذا النجاح على من تعبوا عليه وانجزوه لمجرد أنهم كانوا تحت إمرة عزيز؟

غزواني كان مسؤولا عن قطاع لا يستطيع أي مكابر ان ينكر أنه قفز به من حيز المجهول إلى غمرة المشاركة الفاعلة محليا و إقليميا ودوليا.

فقد تحول الأداء العسكري من نقطة كان فيها ابناء قواتنا المسلحة يذبحون بالسكاكين في قلب قواعدهم العسكرية،. وعمق بلادنا ووسطها ، إلى نقطة أخرى يقاتلون فيها خارج الحدود لتأمين المنطقة والإسهام مع جيوش العالم في تامين المناطق الساخنة في كل أصقاع الأرض.

وليس هذا مجال ذكر للبنى التحتية والعتاد ومؤسسات التكوين والتدريب والقطاعات المستحدثة.

كل ذلك حصل في عشر سنوات من سياسة الرجل فيما أوكل إليه من مهام.

فلماذا نضن به عليه لمجرد أنه كان من فريق عمل عزيز؟
وهل من المنطقي ااقول بأن غزواني سيجلس على هاتفه منتظرا الأوامر من عزيز في تنفيذ مرحلة حكمه؟

احتاج هنا لإجابات منطقية،ومتأنية وغير فضفاضة ولا إنشائية.

وبالتأكيد لن انتظرها من جوقة " عتاريس العارظ" فهولاء سيكفيهم إنفاق أعمارهم في التعبير عن التبعية العمياء وعن سوء "التربية"

.. "لا سلطت علي ضعيف ،، اما القوي قط لگاني"

أربعاء, 30/01/2019 - 13:17