عندما نتأمل تاريخ استقلال موريتانيا، لا يسعنا إلا أن نتوقف عند بُعد النظر الذي ميّز جيل التأسيس، بقيادة الرئيس الراحل المختار ولد داداه، وقدرته على التعامل بواقعية مع موازين القوى والظروف الإقليمية والدولية المعقدة.
ففي عام 1958، اختارت موريتانيا الحكم الذاتي في إطار المجموعة الفرنسية، بدلًا من المطالبة بالاستقلال الفوري. ولم يكن ذلك تخليًا عن حلم إقامة الدولة المستقلة، بل كان خطوة مدروسة ضمن مسار سياسي انتهى بإعلان الاستقلال في 28 نوفمبر 1960، أي بعد سنتين فقط.
ولم يتوقف هذا النهج عند الاستقلال؛ فقد حافظت الدولة الناشئة على علاقات تعاون مع فرنسا، شملت اتفاقية دفاع أُبرمت عام 1961، واستمرت حتى نهاية عام 1972، حين أصبحت موريتانيا في وضع يسمح لها بإعادة صياغة علاقاتها الدفاعية مع فرنسا وفق خياراتها السيادية.
واكتسبت تلك السياسة أهمية خاصة في ظل هشاشة الدولة الناشئة والتحديات الجسيمة التي واجهتها، وفي مقدمتها المطالبات المغربية بموريتانيا، إذ لم يعترف المغرب باستقلالها إلا عام 1969.
ويمكن النظر إلى ذلك التدرّج السياسي باعتباره أحد العوامل التي ساعدت جيل التأسيس على تثبيت أركان الدولة الموريتانية، وتعزيز الاعتراف الدولي بها، وتجنّب مواجهة مبكرة كان من الممكن أن تهدد وجودها.
وفي المقابل، تطرح تجربة الصحراء الغربية أسئلة تاريخية تستحق التأمل.
فقد تأسست جبهة البوليساريو عام 1973، واختارت الكفاح المسلح ضد الوجود الإسباني. وفي عام 1974، أعلنت إسبانيا توجهها نحو توسيع الحكم الذاتي في الإقليم، والتحضير لتنظيم استفتاء لتقرير المصير خلال عام 1975.
غير أن جبهة البوليساريو واصلت عملياتها المسلحة ضد القوات الإسبانية، وفي ظل هذه التطورات، تراجعت إسبانيا عن المسار السياسي الذي كانت قد أعلنته، واتجهت نحو توقيع اتفاق مدريد في نوفمبر 1975، الذي نصّ على نقل مسؤوليات إدارة الإقليم إلى المغرب وموريتانيا، وفتح الباب أمام صراع طويل لم يصل حتى اليوم إلى تسوية نهائية.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل كان من الممكن أن يؤدي تبنّي نهج سياسي أكثر تدرّجًا ومرونة إلى مسار مختلف في الصحراء الغربية، كما حدث في التجربة الموريتانية؟
نقلا عن صفحة الكاتب: Haroun Mouhamed Cheikh Sidiya










