فرصة تاريخية لإصلاح الحقل وترسيخ المهنية

الشامخ الناجي _ إعلامي

يواجه الحقل الإعلامي في موريتانيا جملة من التحديات البنيوية والمهنية التي باتت تستدعي إصلاحاً جاداً يعيد تنظيم القطاع، ويعزز مكانة الصحافة، ويرسخ قواعد الممارسة المهنية، بما يضمن التوازن بين احترام القوانين وصون حرية الإعلام والتعددية.

وفي هذا الإطار، تفتح التصريحات الأخيرة لمعالي وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، محمد ولد ببانه، بشأن تطبيق الشروط القانونية لاكتساب الصفة الصحفية، نقاشاً مهماً حول مستقبل تنظيم الحقل الإعلامي، وضرورة الانتقال به إلى مرحلة أكثر انضباطاً ومهنية.

ويبدو أن الوزير الجديد يتجه نحو مقاربة إصلاحية تقوم على تفعيل النصوص القانونية المنظمة للقطاع، ومعالجة الاختلالات التي تراكمت خلال السنوات الماضية، وهي خطوة تكتسب أهميتها من كون تنظيم المهنة شرطاً أساسياً لتعزيز مصداقية الإعلام وتمكينه من أداء رسالته على الوجه المطلوب.

إن إصلاح الحقل الإعلامي لا ينبغي اختزاله في تحديد من يحق له حمل الصفة الصحفية، رغم أهمية هذه المسألة، بل يتعين أن يشمل مختلف جوانب القطاع، من تحسين الظروف المهنية والاجتماعية للصحفيين، إلى تطوير المؤسسات الإعلامية، وتعزيز التكوين والتأهيل، وترسيخ أخلاقيات المهنة ومعايير العمل الصحفي المسؤول.

ومن هذا المنطلق، فإن أمام الوزير محمد ولد ببانه فرصة حقيقية لإطلاق مسار إصلاحي شامل، يستند إلى القوانين المعمول بها، ويستفيد من التجارب السابقة، ويضع حداً للاختلالات التي أثرت على أداء المؤسسات الإعلامية وأضعفت الثقة في بعض ممارسات العمل الصحفي.

غير أن نجاح هذا التوجه يظل مرتبطاً بمدى اعتماد مقاربة تشاركية تضع الأسرة الإعلامية في صلب عملية الإصلاح، من خلال التشاور مع النقابات المهنية والمؤسسات الصحفية والفاعلين في القطاع، باعتبارهم شركاء في صياغة الرؤية الإصلاحية وتنفيذها، وليسوا مجرد أطراف معنية بقراراتها.

كما أن تطبيق القانون ينبغي أن يتم وفق معايير موضوعية وموحدة، بعيداً عن الانتقائية أو التمييز، مع ضمان تكافؤ الفرص بين المؤسسات الإعلامية العمومية والخاصة والمستقلة، واحترام حق الجميع في الوصول إلى المعلومات وتغطية الأنشطة الرسمية.

ومن الضروري أيضاً أن يكون واضحاً أن تنظيم المهنة لا يمثل تضييقاً على حرية الصحافة، بل ينبغي أن يشكل ضمانة لتعزيزها وحمايتها من الممارسات التي تسيء إليها، وتفصل بين العمل الصحفي المهني والممارسات التي لا تستند إلى قواعد المهنة وأخلاقياتها.

إن التحدي الحقيقي أمام الوزير محمد ولد ببانه يتمثل اليوم في ترجمة إرادة الإصلاح إلى خطوات ملموسة، تؤسس لشراكة حقيقية مع الصحفيين، وتعيد الاعتبار للمؤسسات الإعلامية، وتوفر بيئة ملائمة لممارسة العمل الصحفي بحرية ومسؤولية.

وتشكل هذه المرحلة فرصة مهمة للوزير الجديد للمساهمة في إحداث تحول نوعي في المشهد الإعلامي الوطني، بما ينسجم مع توجهات رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني الرامية إلى تحديث مؤسسات الدولة وتعزيز أدائها.

ختاما:إن معالي الوزير محمد ولد ببانه أمام فرصة تاريخية، ليس فقط لتنظيم الحقل الإعلامي، وإنما لوضع أسس مرحلة جديدة تعيد للصحافة مكانتها، وللصحفي اعتباره، وللمؤسسات الإعلامية دورها. فالإصلاح الحقيقي لا يقوم على الإقصاء، بل على سيادة القانون، وإنصاف المهنيين، وصون حرية الصحافة وترسيخ المسؤولية.

الشامخ الناجي _ إعلامي

سبت, 07/11/2026 - 11:46