انتهت الانتخابات النصفية الأمريكية بننتائج لم يكن يتوقعها أكثر المناوئين لترامب وإدارته، ففقدان الحزب الجمهوري للأغلبية في الكونغرس الأمريكي بغرفتيه، مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وبهذا الفارق الكبير، سيجعل ترامب في مأزق حقيقي، بعيدا عن الخطاب المتحدي الذي ما زال يستخدمه ترامب للتخفيف من ارتدادات ما حدث على قراراته المستقبلية، تحديدا فيما يتعلق بالحرب على إيران.
ولا يمكن الركون إلى أن الرئيس الأمريكي هو المسؤول عن توجيه السياسة الخارجية، بموجب الدستور الأمريكي، وأنه يستطيع استخدام الفيتو ضد أي تقييد يحاول الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون فرضه عليه، وبالتالي سيعجز هؤلاء عن الوصول إلى أغلبية الثلثين للإطاحة بفيتو الرئيس، وهو ما أشار اليه ترامب صراحة عندما وصف نفسه بأنه سيكون «مستر فيتو»، في أول رد فعل له على انتصار الديمقراطيين. ولكن ترامب نفسه يعرف أن هذا غير صحيح تماما، وأنه يمكن للكونغرس أن يستخدم محددات مؤسسية عديدة تحد من هذه الصلاحية المتاحة للرئيس، وسيكون لها تأثيرها في توجيه السياسة الخارجية، أهمها استخدام مسألة التمويل، والتحكم بسلطة الإنفاق، لتقويض القدرة على الاستمرار بالحرب، أو تقويض قدرة الرئيس على التلاعب بالمصطلحات من خلال منعه من القيام بأي عمليات عسكرية موسعة من دون موافقة الكونغرس، وسبق لهم أن قدموا هكذا قانون يتعلق بصلاحيات الحرب، ولكنهم فشلوا في تمريره بسبب سيطرة الجمهوريين على الكونغرس حينها.
هذا كله يعني عمليا أن قرار استمرار الحرب مع إيران، ومستقبل أذرعها ووكلائها في المنطقة، سيكونان حاضرين في هذا الصراع المستحدث بين ترامب والديمقراطيين، فزعيم الأغلبية الديمقراطية المستقبلي في مجلس الشيوخ تشاك شومر في أول تصريح له بعد الفوز قال بأن الحرب مع إيران «يجب أن تتوقف»! وقد أقر ترامب نفسه، ونائبه جيه دي فانس بأن الحرب على إيران، وما أحدثته من تداعيات اقتصادية في الداخل الأمريكي، كانت السبب الرئيسي في خسارة الجمهوريين للأغلبية في الكونغرس، وهذا يعني أنه ستكون هناك ضغوط حقيقية على إدارة ترامب من داخل الحزب الجمهوري نفسه لإنهاء تلك الحرب بأي ثمن!
إيران نفسها كانت تراهن على هذه النتيجة، تماما كما راهنت على ذلك في العام 2018 عندما انسحب ترامب، في ولايته الأولى، من الاتفاق النووي مع إيران ووقع على حزم عقوبات متتالية ضدها، وهو ما دفعها للمماطلة بانتظار انتخابات العام 2020 التي أطاحت بترامب، وتمكنت بعدها من إقناع إدارة جو بايدن بتخفيف تلك العقوبات. ولكن السؤال هنا: كيف ستنتهي تلك الحرب؟
بالتأكيد لم يعد هناك عاقل يتحدث عن إسقاط النظام الإيراني كنتيجة مباشرة للحرب، كما كان يتوهم نتنياهو، وأوهم بذلك ترامب! ولن يكون أمام إدارة ترامب سوى التركيز على المطلب الجوهري المتعلق بالبرنامج النووي الإيراني كمدخل لأي اتفاقية جديدة. ولكن الحرب أدت إلى دخول ملف خطير آخر هو ملف مضيق هرمز، وهناك محاولة إيرانية معلنة لفرض سيادتها على المضيق، والتحكم بالمرور فيه، بما في ذلك المرور في المياه الإقليمية العُمانية، وهو تطور ينهي عمليا اتفاقية العام 2015 الموقعة بين إيران وسلطنة عُمان، والتي رسمت الحدود البحرية بينهما، وجعلت السيادة على مضيق هرمز مشتركة بين الطرفين.
الملف الآخر هو ملف مستقبل وكلاء وأذرع إيران في المنطقة، فليس ثمة سياسة أمريكية ثابتة تجاه هذا الملف، على الرغم من الخطابات المعلنة بهذا الاتجاه. فالأمريكيون عقدوا اتفاق «أمر واقع» مع الحوثيين في العام 2025 في عُمان لوقف إطلاق النار بينهما، وعدم استهداف السفن الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب! وكشفت رويترز في أيلول/ سبتمبر 2026 عن اجتماع جرى في عُمان أيضا بين مسؤولين أمريكيين وممثلين عن الحوثيين، بعد سيطرة الأخيرة على باب المندب، للتأكيد على اتفاق العام 2025!
بهذا الفارق الكبير، سيجعل ترامب في مأزق حقيقي، بعيدا عن الخطاب المتحدي الذي ما زال يستخدمه ترامب للتخفيف من ارتدادات ما حدث على قراراته المستقبلية
أما في العراق، فالشروط الأمريكية المتلعقة بالميليشيات الموالية لإيران، بدت مرنة جدا، وقابلة للمط، حتى قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران! وصل الأمر إلى القبول بأن يكون هناك شخص مدرج في قائمة وزارة الخارجية الأمريكية بوصفه «إرهابي عالمي SDGT»، وينتمي إلى ميليشيا مصنفة بوصفها منظمة إرهابية أجنبية (FTO)، نائبا لرئيس مجلس الوزراء العراقي! وقبول مرشحي ميليشيات إرهابية أخرى مصنفة أمريكيا بوصفها منظمات إرهابية أجنبية ليكونوا وزراء في الحكومة العراقية (حصلت ميليشيات سيد الشهداء المصنفة أمريكيا كمنظمة إرهابية، والتي يتزعمها أبو آلاء الولائي الذي أدرجه مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية في العام 2023 ضمن قائمة العقوبات بتهمة التخطيط والمشاركة في هجمات ضد أفراد أمريكيين في العراق وسوريا على وزارة السياحة)!
في مقال نشرناه بداية العام الحالي، وقبل اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، قلنا إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد ترى العراق إلا من خلال العلاقة مع إيران، وأن التهديدات والفيتوهات المعلنة أمريكيا فيما يتعلق بالعراق «قابلة للمراجعة» إذا ما توصلت إلى اتفاق جيد مع الإيرانيين، وأن الأمريكيين ليست لديهم مشكلة في الإبقاء على «هيمنة» إيرانية على العراق، مقابل ضمانات بأن لا تشكل ميليشياتها في العراق أي خطر على إسرائيل أو دول الخليج العربي. وأن التجربة تثبت دائما، وليس في العراق فقط، أن الولايات المتحدة لم تكن معنية يوما بالديمقراطية أو حقوق الإنسان أو سيادة القانون أو الحوكمة، بل هي معنية بمصالحها، وأنها مستعدة للتعاطي مع أنظمة استبدادية وطائفية ما داموا أصدقاء، أو على الأقل ليسوا أعداء، ولا يهددون مصالحها. وربما تكون إدارة ترمب أكثر تطرفا في هذا السياق، فهي بتحويلها العلاقات الدولية إلى منطق الصفقة، مستعدة لقبول كل شيء ما دامت الصفقة ناجحة بالنسبة لها!
المفارقة أن هذا «التراجع» الأمريكي عن الشروط المعلنة فيما يتعلق بنزع أسلحة الميليشيات وتفكيكها، أو مشاركتها في الحكومة العراقية، حدث عند تشكيل الحكومة العراقية، ثم تطور مع تأجيل الموعد المعلن لنزع السلاح، وقبولها بتغيير المصطلحات المستخدمة من نزع السلاح إلى حصره، ثم ضبطه، ثم تنظيمه، لينتهي الأمر إلى لاشيء حرفيا، كل ذلك حصل حتى قبل التوصل إلى وقف إطلاق النار مع إيران!
لهذا ثمة خشية حقيقية من أن صعود الديمقراطيين، سيضطر إدارة ترامب إلى التركيز على ملفي النووي ومضيق هرمز حصرا، وغض الطرف تماما عن ملف ميليشيات إيران في العراق، باستثناء ضمان أن لا تشكل خطرا على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، أو إسرائيل، في أية مفاوضات قادمة حول وقف إطلاق النار، وهو ما سيعني عمليا استمرار التوتر والانقسام والهشاشة التي تحكم العراق نتيجة وهم «الحاكمية الشيعية» الذي يعشش في عقول الفاعلين السياسيين الشيعة!
كاتب عراقي










