شارع الرشيد

هاشم شفيق

حين تخطّيت العاشرة، عيناي صارتا تذهبان للبعيد، خارج حدود إقامتي مع الأهل، في منطقة شعبية هي خليط متجانس، نستطيع أن نسمّيه العراق المصغّر، فيه العربي والكردي والتركماني، وفيه المسيحي والمسلم، ولكننا لم نكن نحس في هذا التحدّر إلا يوم كبرنا، وصرنا نفهم العالم والدنيا والحياة على أنّها الحياة وسط عالم الكبار هي غير الحياة وسط عالمنا الصغير المطعّم بالفتيات الصغيرات والفتيان المشاغبين، عالم أفقه البراءة والبياض والمرح الطفولي، وليس مثل عالم الكبار الغامض غير المتجانس، الخليط من الأسود والأبيض والرمادي، فنتيه فيه كوننا لا نستطيع التمييز بين الأبيض والرماديّ. ولكننا حين مضينا في السنوات نحو المُقبل منها وتزوّدنا بأعوام أخرى، أي يوم كبرنا قليلاً وخرجنا من حياة الأهل والعائلة، وحياة الزقاق وأفق المحلة إلى أفق أكثر اتساعاً، فبدلاً من محلّة «الألف دار» في « تلّ محمّد»، انطلقنا إلى الأفق الأوسع والمجاور لها، وهي منطقة «بغداد الجديدة»، حيث تقوم هناك داران للسينما، واحدة صيفية مفتوحة وأخرى شتائية، مبنية مثل أيّ دار سينما في العالم.

يوم اكتشفنا السينما، صرنا نفكر بسينمات العاصمة وليس المحلّة، وبتنا نرغب في أن نرى شوارع العاصمة الفسيحة والجميلة والطويلة، في بغداد الستينيّات والسبعينيّات، فذهبنا تحت حجّة يوم العيد إلى سينمات وسط البلد، إلى حيث السينمات في شوارع العاصمة الطويلة والجميلة والظليلة المترعة بالأفياء، فكنّا نزوغ من تراب وغبار محلّتنا في أيام الأعياد، لنكون في مركز العاصمة، فهناك في «شارع الرشيد»، وهو الشارع الرئيس في بغداد، الذي تأسس في مطلع العشرينيّات من القرن الماضي، وظلّ يتطوّر العام تلو العام، أو العقد تلو العقد، حتى وصل إلى ما صار عليه في فترة الستينيّات والسبعينيّات من القرن الفائت. سنجد فيه محلات حديثة، حانات ظليلة ومؤنسة وحافلة بالفيء والبرودة أيام الأصياف، مخازن توحي بالتطور الحضَري للبلاد وللعاصمة ذاتها، كل ذلك كنّا نراه على امتداد الشارع، من بدايته في الباب الشرقي حتى نهايته في منطقة الميدان. فكلا الاتجاهين يعطيان الانطباع ذاته للمكان كتصميم وهيئة ونسق عمراني طويل يتميّز به وهو يقطع العاصمة، تتخلله ثلاثة جسور عبور بين منطقتي الرصافة والكرخ، حيث لو بدأنا من الباب الشرقيّ فسيكون على يسارنا «جسر الجمهورية»، ثم محل «جقمقجي» للأسطوانات، وحين نتقدم قليلاً سيظهر محل «أربطة البلداوي»، ثم على اليمين يتفرّع الشارع لمسافة أقدام قليلة لنكون في «شارع الخيام»، حيث تقوم فيه دار «سينما الخيام» ذات التصميم المميز. وحين تقودنا خطانا في «شارع الرشيد» من جهة اليمين قليلاً سنرى مدخلاً مستطيلا ينفتح على مكان شبه مربّع، يضم ثلاث سينمات هي «ريكس» و»روكسي» و»دنيا».

حين نخرج من السينما ونمضي في الشارع قليلاً، والكلام هنا عن نهاية الستينيّات وصولاً إلى مطلع السبعينيّات، ستصادفنا على يسار الشارع «مقهى البرازيلية»، وبعد خطوات قليلة سنرى على اليمين البناء الكبير والفخم لسينما «الشعب» وهي مزيّنة من الأعلى بصور محفورة في الواجهة العليا للسينما، كتلك التي نراها في الأبنية المتماسكة والخالدة للبلدان المتقدمة. بعد ذلك سنرى «نادي الضباط» على ضفة دجلة، حيث يقوم على اليسار «جسر الأحرار»، وبعد اجتياز ساحة «حافظ القاضي»، وفي الشارع نفسه كانت تقوم على اليسار سينما «ميامي» أو «ديانا»، بعد أن نكون قد خلفنا وراءنا تمثال «الرصافي».
بالطبع سنشاهد فنادق ومقاهي صغيرة وأزقة نحيلة، ومشربيّات أو شناشيل ومطاعم صغيرة وكبيرة تقوم على جانبي الشارع، وثمة مكاتب لمحامين وخطاطين كمحل باسم الخطاط، الذي كنت أتردد عليه في تلك الظهيرات القائظة، من تلك الأيام البعيدة، حيث كنت أزور صديقي الخطاط، لنتداول في أمور الشعر والأدب والكتابة عامة. بعد تمثال الرصافي» وساحته سنتوغّل لنرى على اليمين محل «كعك السيد» وبعض المقاهي التي باتت مغلقة وتحوّلت إلى محلات تجارية، مثل «مقهى الأعيان»، و»مقهى البرلمان» وغيرهما، أمّا تلك التي صمدت أمام الزمن من المقاهي التاريخية فهي «مقهى الزهاوي» و»مقهى الشاه بندر»، كما نشأت في محيطهما المقاهي الطيّارة ولا سيّما في «ساحة القشلة» بسبب مرتادي شُراة الكتب في الساحة إياها لمحاذاتها شارعَي «المتنبي» و»السّراي»، هذه الأمكنة تنتسب إلى «شارع الرشيد»، خصوصاً إذا ما دخلناها من جهتَي الشارع المعروفتين «ساحة الميدان» و»ساحة الباب الشرقي» .
شارع الرشيد كما أعرفه كان شاعراً حضَرياً، متمدّناً، يرفل بالبهجة والفيء والظلال، وكما هو معروف في كل دول العالم، هناك اهتمام بالشوارع والساحات والمواقع التاريخية، فكيف بشارع له تاريخ وأقصد شارع الرشيد الذي بات عمره الآن أكثر من مئة عام، فهذا الشارع وللأسف الشديد مهمل ومتروك ولم تمتد يد الإصلاح والعمران إليه أبداً فـ»شارع الرشيد» الذي رأيته قبل يومين من كتابة هذا المقال في ريبورتاج لإحدى القنوات العراقية، يلتقي بالناس ويسألهم عن أحوالهم وأحوال البلد، وهم ناس طيبون وبسطاء كانوا يشيرون بفطرتهم إلى نفايات شارع الرشيد، والى المحنة الطافية فيه، فشاهدت ما يجري في الشارع، ولأصف لكم ما رأيته قبل يومين في أهم وأقدم شارع في العراق قرب تمثال الرصافي:
ـ طبقات مكدسة من الغبار تتطاير في الشارع الذي غطاه الغبار والسخام والرماد المخلوط مع التراب والأغبرة الطائرة.
ـ عربات خشبية ذات الدولابين، يجرّها عمّالها إلى جهات ما.
ـ حمّالون يحملون بضاعتهم ويصيحون « طريق… طريق يرحم والديك».
ـ ناقلات توك توك، تجوب الشوارع وتحمل بضاعة وحاجيات مع أصحابها تعبر جسور «الأحرار» و»الجمهورية» و»السنك» وتتجول بحرّيتها.
ـ دراجات بخارية مخصصة لإنتاج الصخب والضجيج وتصدير الإزعاج للعامة، مع عربات حديد تجوب الشارع.
أبواق سيارات وصفّارات وأصوات مزعجة لدرّاجات بخاريّة تسير في الشارع طوال الوقت.
ـ لوريات صغيرة تحمل بضائع صينية وما شابه.
ـ تاكسيات قديمة ومركبات مستهلكة جداً.
ـ براميل موضوعة على جانبي الشارع، ودراجات هوائية وبخارية مركونة إلى الحائط وحافة الرصيف.
ـ باعة ساعات وأحزمة وقفازات وجوارب يفترشون بضاعتهم في وسط الشارع، من ضمنهم باعة خضار وفواكه وخبز وكعك ومرطبات وأشياء أخرى.

كاتب وشاعر عراقي

نقلا عن القدس العربي 

ثلاثاء, 03/11/2026 - 13:30