حكم الله في الحياة كثيرة علمها من علمها وجهلها من جهلها، ومن أهمها حكمة إخفاء الأجل عن الإنسان وطمس انتهاء تاريخ صلاحيته على الأرض فحمدا لله أن لم يجعلنا مثل العلب المكتوب على واجهتها تاريخ انتهاء الصلاحية.
وتلك لعمري حكمة إلهية بالغة نعيش بها الأمل الطويل ونخطط لمشاريع مستقبلنا القريبة والبعيدة، نفترض مؤقتا أننا نعيش أبدا وأن الحياة -على قصرها وسرعتها- سرمدية مستمرة. هكذا نخدع أنفسنا الغافلة دهر الناسية دوما، وهكذا نفكر أبدا رغم تسليمنا أن لكل إنسان بداية ونهاية،، وأن أجيال اليوم مشاريع أجداث الغد، وسيلحقون بأسلافهم الغابرين وتتناساهم الأجيال اللاحقة.
توازي هذه الحكمة حكم أخرى -وما أكثر الحكم الإلهية - وهي هذه الحوادث المتلاحقة التي يمر بها البشر فينجو منها بفضل الله وتكون له منبهات بعد الغفلة ودروسا مهمة يدرك المرء خلالها أنه مفعول به وأن لكل أجل كتابا وأن الآجال إن لم تقترب تلك اللحظة إلا أنها آتية لا ريب فيها.
حدثان مرا علي خلال أقل من أسبوعين الأول قصة رجل نزل في أعماق بئر وبعد دقائق من نزوله انقطع أحد الأرُشِيَة وسقطت الدّلو الممتلئة ماء من فوهة البئر وهو في الأعماق ولكم أن تتخيلوا الأمر، عشت وعاش غيري لحظات من الرعب والتوتر وسمعنا الدلو تصطدم ببحيرة البئر العميقة كأن انفجارا ضخما وقع في الحي، ومع ذلك فإن حفظ الله وقدرته القاهرة منعا من كارثة وموت محقق فنطق الرجل لله الحمد والمنة وأكمل عمله، و عند خروجه قدم لي درسا مفيدا مختصرا (الي مزالتُ لو صرطه ما يموت).
الحادث الثاني لحظات عشتها قبل أسبوع بنفسي في حادث سير مرعب عندما اصطدمت سيارتنا بحمارين فوق الطريق وكان الصديق السائق في ثوان معدودة يسلم سيارته المتهاوية لمصيرها المجهول ويسلم نفسه للمقادير الإلهية، مرت السيارة فوق الحمير وسلكت طريقا معوجا مجهولا تتهادى وتتمايل وكان الموت محققا لثلاثتنا لولا رعاية من الله وحفظه فجأة توقفت السيارة و لله الحمد والفضل وحده خرجنا وعدنا للحياة.
جميلة هي الحياة وجميل أن تعيش فيها بأحلام وآمال كبيرة والأجمل أن لا تنسى نهايتها وأن تتأمل في المنبهات القائلة إننا نمضي نحو التاريخ المجهول تاريخ نهاية صلاحيتنا على هذه الأرض.
(رب ارحمهما كما ربّياني صغيرا).
نقلا عن صفحة الكاتب: مختار بابتاح










