زوم الصحراء: القمة الإفريقية الروسية… المنتظر والمتحقق

باتت روسيا في العصر البوتيني (نسبة لرئيسها الحالي الذي يوصف بالقيصر الجديد) لاعبًا رئيسيًا في أغلب ساحات التنافس الدولي، وبالذات في القارة الفتية التي تختزن الكثير من الموارد البشرية والاقتصادية، وتعاني برغم ذلك من أشد أنواع الفقر والهشاشة حد المجاعة.

القمة الإفريقية الروسية الثالثة، التي نُفض سامرها في موسكو عشية يومه الخميس التاسع والعشرين من أكتوبر، كانت محطة مهمة في مسار شراكة يتحمس الروس لتعزيزها، وينقسم الأفارقة بين من يستقبل الحماس بحماس أكبر، ومن ينظر إليه بريبة تكاد تتماهى مع النظرة الغربية له، ومن يسعى لأخذ العصا من الوسط، أملًا في الأخذ من كل أطراف الصراع الدولي بمصلحة.

في زووم الصحراء هذا الأسبوع، قراءة في القمة: سياقها، وانتظاراتها، ومخرجاتها، وماذا بعد…؟

في السياق… حرب وانقسام وتراجع ألق

لو أردنا تحليل السياق الذي تنعقد فيه القمة، سنجد أمامنا ثلاثة عوامل مؤثرة بشكل كبير:

* أولها، دون شك، استمرار الحرب الروسية الأوكرانية للعام الرابع، دون أن يلوح في الأفق أي حل.
* وثانيها، الانقسام في المعسكر الغربي الداعم للغريم الروسي (أوكرانيا)؛ فقد اتسعت الفجوة بين واشنطن والدول الأوروبية بسبب رفض الرئيس الأوكراني زيلينسكي ضغوط ترامب ومساعيه لإيجاد تسوية مع بوتين.
* وثالث العوامل المؤثرة، تراجع الألق الروسي في منطقة الساحل الإفريقي، التي ضُربت بها الطبول قبل سنوات للمخلّص الروسي من شر الهيمنة الغربية والجماعات المسلحة، ويعود تراجع الألق لفداحة الكلفة البشرية للتدخل العسكري وتواضع منتجه الأمني، وفق ما يعتقد عديدون.

يعني العامل الأول أن روسيا ما تزال معنية بحشد الدعم والظهور بمظهر الدولة القوية المؤثرة، وليس الدولة المحاصرة كما يريد خصومها لها أن تظهر.

أما العامل الثاني، فقد يتيح هامشًا أوسع للمناورة أمام الكتلة الأكبر من الدول الإفريقية التي تميل لعدم الانحياز في الحرب الروسية الأوكرانية، وإن لم يكن الخلاف بين واشنطن والعواصم الأوروبية يعني بالضرورة تراجع معارضتها للنفوذ الروسي في إفريقيا.

لكن العامل الثالث يجعل روسيا أقل جاذبية لدى قطاعات من الرأي العام في دول الساحل الإفريقي، بالنظر لحصاد تدخلها العسكري والأمني في المنطقة.

أفق انتظار إفريقي متأرجح

من خلال متابعة تحليلات وتعليقات الصحافة الإفريقية قبل القمة وأثناءها، يتضح أن ثلاثة اتجاهات سادت فيها:

* اتجاه تبشيري: يستعرض وفرة الخيارات التي تتيحها الشراكة مع موسكو، التي تبدأ مع الشراكة في مجال السيادة الغذائية والطاقة، ولا تنتهي مع التبادل التجاري والسلاح والتقنية والذكاء الاصطناعي.
* اتجاه انتظار ندّي: يؤكد على أهمية الشراكة وعلى حاجة إفريقيا لتنويع الشركاء، لكنه يشدد على ضرورة انتظار نتائج القمة الفعلية، وليس القولية، للحكم عليها.
* اتجاه معارض: وثالث الاتجاهات معارض بشكل كامل للشراكة مع روسيا، ويقول إن القمم السابقة أثبتت أنها شراكة فارغة من أي مضمون، اللهم إلا مضمونًا يعتبرون أن ضره أكبر من نفعه.

الحاضرون والغائبون

مع أن تحضير القمة أخذ زخمًا كبيرًا، لكن مستوى الحضور عكس ما سبقت الإشارة له؛ فقد حضر ممثلون عن 48 دولة إفريقية، لكن أغلب الدول كان تمثيلها دون مستوى الرؤساء، حيث شارك 22 رئيس دولة، مقابل 17 في قمة سانت بطرسبورغ عام 2023، ونحو 43 من رؤساء الدول والحكومات في القمة الأولى بسوتشي عام 2019.

وهكذا، فإن الحضور الرئاسي، وإن تحسن مقارنة بالقمة السابقة، ظل بعيدًا عن مستوى القمة الأولى، بما يعكس استمرار الاهتمام الإفريقي بالشراكة مع موسكو، دون أن يبلغ مستوى الحماس الذي رافق انطلاقتها.

ومن أبرز الدول التي شارك قادتها: بوروندي، التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الإفريقي؛ وإثيوبيا، ومصر، وكينيا، وموريتانيا، ومالي.

أما من أبرز الرؤساء الغائبين عن القمة، فرئيسا بوركينا فاسو والجزائر، اللتان شاركتا بتمثيل على مستوى رئيس الحكومة.

أبرز المخرجات…

خلصت القمة إلى مخرجات جرى التحضير لها على مهل، ومن أهمها:

بيان ختامي بمضامين متنوعة شملت:

1. التأكيد على احترام السيادة وضرورة تمثيل القارة بشكل أفضل في المؤسسات الدولية.
2. التعاون التجاري والاقتصادي.
3. التعاون في مجال الطاقة.
4. التعاون في مجال مكافحة الإرهاب.
5. التعاون في مجال السيادة الغذائية.
6. التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي.

ويعتقد مراقبون أن البنود المتعلقة بالطاقة والتبادل التجاري والسيادة الغذائية تمثل، إلى جانب الجوانب الأمنية، جوهر البيان.

كما اعتمدت القمة إعلانًا مستقلًا بشأن التعاون في الاستخدامات المدنية للذكاء الاصطناعي، في مؤشر على سعي موسكو إلى توسيع مجالات الشراكة لتشمل التقنيات الحديثة.

أما المخرج الآخر المهم، فهو خطة عمل سُميت «الشراكة الروسية الإفريقية 2027–2029»، وهي خطة يعكس اعتمادها رغبة لدى الطرفين في تحويل الشراكة إلى مشاريع فعلية على الأرض، للرد ربما على من يقولون إنها شراكة أقوال أكثر من كونها شراكة أفعال.

لكن المقارنة بين المنتظر والمتحقق تكشف أن القمة نجحت في تثبيت الإرادة السياسية لمواصلة الشراكة، وتحديد مجالاتها وأولوياتها، أكثر مما نجحت في تقديم حصيلة من المشاريع الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ. فالبيان الختامي وخطة العمل، على أهميتهما، يظلان تعهدات وبرامج تنتظر التنزيل، وهو ما يجعل الحكم على نجاح القمة مرتبطًا بما سيتحقق بعد انتهائها، لا بما أُعلن خلالها.

ولعل الأرقام الاقتصادية تعزز هذا التقدير؛ فقد بلغ التبادل التجاري بين روسيا وإفريقيا نحو 27 مليار دولار عام 2025، وهو رقم يقل عن الهدف الذي سبق أن حددته موسكو عند 40 مليار دولار، ويظل متواضعًا مقارنة بالتبادل التجاري للقارة مع الصين، الذي بلغ نحو 348 مليار دولار، ومع الاتحاد الأوروبي، الذي قارب 395 مليار دولار خلال السنة نفسها.

وتعكس هذه الأرقام الفارق بين الحضور السياسي والأمني المتنامي لروسيا في إفريقيا، ووزنها الاقتصادي الذي ما زال بعيدًا عن وزن شركاء القارة التقليديين.

موريتانيا في القمة… تنويع الشراكات وبناء الثقة

عكست مشاركة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في القمة حرص موريتانيا على تنويع شراكاتها الدولية، ومد اليد لمختلف القوى المؤثرة، دون الانخراط في محاور التجاذب الدولي أو السماح لأي طرف باستقطابها إلى معسكره. ويبدو أن نواكشوط تسعى إلى بناء علاقات ثقة مع الجميع، تجعل منها شريكًا مقبولًا لدى الأطراف المتنافسة، وتتيح لها الاستفادة من فرص التعاون مع كل منها دون أن يكون ذلك على حساب علاقاتها بالآخرين.

وقد عكست المصافحة التي جمعت الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، وما بدا خلالها من ود، جانبًا من هذه العلاقة التي تحرص نواكشوط على تعزيزها، دون أن تجعل منها بديلًا عن شراكاتها التقليدية.

أما حصيلة المشاركة، فقد شملت توقيع اتفاقيتين للتعاون القضائي تتعلقان بتسليم المطلوبين ونقل المحكوم عليهم، إلى جانب اتفاقيات للتعاون الإعلامي، من بينها اتفاقية بين قناة "الموريتانية" وقناة "روسيا اليوم" واتفاق بين الوكالة الموريتانية للأنباء ووكالة «تاس» الروسية، وبروتوكول تعاون بين شركة البث الإذاعي والتلفزي الموريتاني وقناة «روسيا اليوم»،
وهكذا، تبدو المشاركة الموريتانية محطة في مسار دبلوماسي يقوم على تنويع الشركاء وبناء الثقة مع مختلف الأطراف، أكثر من كونها تعبيرًا عن اصطفاف دولي جديد، فيما تظل ترجمة هذا الانفتاح إلى مشاريع اقتصادية فعلية، خصوصًا في مجالات الطاقة والتعدين والصيد، الاختبار الأهم لجدواه.

ماذا بعد…؟

ليس هناك في السياق الحالي، ولا في الأفق المستقبلي، ما يدفع للاعتقاد أن العلاقات الروسية الإفريقية ستشهد قفزة نوعية خلال السنوات القادمة؛ فروسيا، برغم مقاومتها وطموحها، تواجه وضعًا اقتصاديًا لا يتيح لها هامشًا كبيرًا لتقديم عروض شراكة مغرية، وإفريقيا المشغولة بصراعاتها وأزماتها البينية لا تبدو، برغم دعوات التحرر من الهيمنة التقليدية، على موعد مع تحولات جذرية في حكامتها ووجهاتها وتوجهاتها.

لا يعني هذا على الإطلاق أن مسار العلاقات الإفريقية الروسية سيشهد انتكاسة لمكتسبات العقد المنصرم، إنما يعني أن روسيا ستثبت موقعها شريكًا مهمًا، لكنها لم تمتلك بعد مقومات مزاحمة شركاء القارة التقليديين.

جمعة, 30/10/2026 - 12:59