تتسلّل الآلة إلى غرف الأخبار، وتزاحم الصحافيين على مهنتهم، بعدما تعلّمت أسرارها من إنتاجهم نفسه. مؤسسات إعلامية تستبدل المحرّرين بخوارزميات تبحث وتكتب وتدقّق، تحت شعار خفض التكاليف وزيادة الإنتاجية. وبين إغراء الأرباح وشبح البطالة، تواجه الصحافة سؤالاً وجودياً: ماذا يبقى من المهنة حين يصبح الإنسان عبئاً مالياً على مؤسسته؟
منذ انطلاق شرارة ثورة الذكاء الاصطناعي، انكبّت المؤسسات على الإفادة من التكنولوجيا الحديثة لتعزيز الإنتاجية وخفض الكلفة. ومع هذا المسار، تصاعدت المخاوف حول الأضرار الجانبية المتعدّدة لانتشار هذه التقنيّة، ومن بينها، مستقبل الدور البشري في سوق العمل وانعكاس ذلك على معدّلات البطالة الناتجة من استبدال الموظّف بالآلة.
خلال السنوات الماضية، زحفت نماذج الذكاء الاصطناعي رويداً رويداً إلى قلب الشبكات الإعلامية، إذ كشف تقرير دولي أخيراً عن اعتماد بعض غرف الأخبار على هذه التكنولوجيا بشكل كامل. هكذا، استحال المستقبل حاضراً، والذكاء الاصطناعي في دول متقدّمة عدّة أصبح واقعاً هو الإعلامي الذي يبحث ويكتب الخبر، كما يتأكّد من المعلومات وإدارة سير العمل في المؤسسات الإعلامية.
بالنسبة إلى الصحافيين، يطرح توسّع النموذج العملياتي الجديد في القطاع الإعلامي تحدّيات جمّة على مستقبلهم المهني وينعكس سلباً على العمل الإبداعي الذي لا يزال العنصر البشري يتميّز به. وبينما لا تزال بعض وسائل الإعلام تبحث عن سبل دمج الذكاء الاصطناعي في سير عملها بطريقة متوازنة، بدأت أخرى بالفعل باعتماد ما يُشار إليه بـ «غرف الأخبار الأصلية القائمة على الذكاء الاصطناعي». صُمّمت هذه المحاكاة للعملية التحريرية لتتولّى سير العمل من الصفر، إذ تُراقب المصادر وتُجري الأبحاث، ثمّ تتأكّد من صحّة المعلومات، وبعد ذلك تبدأ بكتابة المقالات، حتّى إنّها تتخذ القرارات التحريرية من تلقاء نفسها.
يختلف حجم الدور البشري في العملية بين مؤسسة وأخرى: بينما يحاول بعضهم تصفيره، لا تزال غالبيتها تعتمد على المحرّرين لمراجعة كل خبر.
في هذا الإطار، أجرى «معهد رويترز» تحقيقاً واسعاً يستند إلى قاعدة Jindex.ai لبيانات مشاريع الذكاء الاصطناعي التي أنشأتها الصحافية الأوكرانية كاتيا غورتشينسكايا، في محاولة لفهم حجم التحوّل في الوسائل الإعلامية، وما قد يحمله ذلك لمستقبل القطاع.
أتمتة الصحافة
في وقت سابق من هذا العام، لمع نجم إحدى الغرف الإخبارية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بعد كشفها اختراقاً تقنياً متعلّقاً بهذه التكنولوجيا قبل غيرها من الوسائل الإعلامية «التقليدية». حينها، انتشر خبر مفاده أنّ أكثر من 1200 وكيل ذكاء اصطناعي داخل شركة «أوبن إيه آي» انحرفوا عن مسارهم وبدأوا بالتواصل في ما بينهم لاختراق موقع Hugging Face. المفارقة أنّ الوسيلة الإعلامية التي نشرت الخبر أولاً للجمهور، كانت «رانتايم واير» الأميركية التي تُشغّل غرفتها التحريرية أدوات الذكاء الاصطناعي. وتمكّن الموقع الإخباري الذي انطلق في شهر أيار (مايو) الماضي، من نشر الخبر قبل ساعات من الصحف العالمية الكبرى.
في هذا الإطار أيضاً، كشف التحقيق عن غرفة أخبار إيطالية يتراوح التدخل البشري فيها بين ضئيل جداً أو غائب كلياً في بعض الحالات. المنصّة التي تحمل اسم Redazione Zero (تعني بالإيطالية «غرفة تحرير صفرية») تعتمد بشكل أساسي على الذكاء الاصطناعي لاختيار المواضيع وكتابتها بالكامل. وتستند المنصّة الإعلامية إلى سلسلة من الوكلاء المستقلين المدعومين بالذكاء الاصطناعي عوضاً عن الاعتماد على نموذج واحد. في كل صباح، يعمل وكيلان يستخدمان نماذج «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» على جمع الأخبار بشكل مستقل، ثمّ يجريان عمليات فحص آليّة لانتقاء المواضيع.
بمجرّد الانتهاء من تحديد الأخبار، يكتب النظام الآلي المقالات وفقاً لميثاق التحرير العام للمنصّة، قبل أن يدقّق وكلاء ذكاء اصطناعي آخرون بصحّة المعلومات الواردة ومنع نشرها في حال وجود أي خطأ. وفي الخطوة الأخيرة للعملية المؤتمتة، يكتب محرّر نهائي، وهو أيضاً أداة ذكاء اصطناعي، افتتاحية تشرح اختيارات اليوم. لكن يلفت ناشر المنصّة الإعلامية، إميليو سالميري، وهو مطوّر برمجيات، إلى أنّه يحظر بشكل كامل على الوكلاء تغطية الجرائم والأخبار القضائية. كما يفرض قيوداً صارمة على المواضيع الصحيّة، بما في ذلك تقديم النصائح الطبية ومعلومات عن الجرعات اللقاحية.
بديل من الإفلاس
من جهة أخرى، يتّضح في حالة وسيلة إعلامية كندية أنّ مقابل تحدّيات استبدال العامل البشري بأدوات الذكاء الاصطناعي، تبرز مسارات أخرى كانت فيها هذه التكنولوجيا منقذاً لشركات من الإفلاس. في عام 2023، أعلنت مجموعة «ميترو ميديا» الإعلامية الكندية عن إفلاسها، ما نتج منه توقّف أكثر من 30 من مؤسساتها الإخبارية المحليّة، ومن بينها صحيفة «جورنال ميترو» الرائدة.
في هذه الحالة، لم يكن الذكاء الاصطناعي عاملاً ضاغطاً، بل أداة أعادت الحياة لعلامة إخبارية انهارت. بعد عامين من الإفلاس، استحوذ رجل الأعمال التكنولوجي بيار أنطوان فراديت على الملكية الفكرية لـ «جورنال ميترو»، معتمداً على نموذج عمل فريد من نوعه يتّكل على أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل واسع، مما أدّى إلى أتمتة التقارير الروتينية وأسهم في انخفاض التكاليف العامة. ولم تُوظّف المؤسسة الإعلامية، بحلّتها الجديدة، سوى شخص واحد فقط يعمل كرئيس التحرير وهو أوليفييه روبيشود.
تستخدم الهيكلية الجديدة لـ «جورنال ميترو» أدوات الذكاء الاصطناعي لمراقبة المصادر الموثوقة بحثاً عن البيانات الصحافية والتقارير والإحصاءات، وتُنشئ تلقائياً مسودات مقالات يتحقّق روبيشود من صحّتها قبل الموافقة على نشرها. ويلفت رئيس التحرير إلى أنّ فكرة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي للقيام بالمهمات السهلة يُتيح للصحافي التركيز على المواضيع الصعبة. كما يعتبر روبيشود أنّ نموذج العمل هذا يهدف إلى خفض الإنفاق على الأخبار البسيطة التي لا توفّر عائداً كبيراً على الاستثمار.
مستقبل المهنة
يفتح تحقيق «معهد رويترز» نافذة على كواليس الوضع الداخلي المُعقّد في الوسائل الإعلامية وسعيها إلى التأقلم مع الذكاء الاصطناعي. وبينما يسلّط التقرير الضوء على بضع حالات، إلّا أنّ معظم المؤسسات في هذا القطاع أدخلت التقنية الحديثة إلى نموذج عملها، لكن ما يفرّقها خيارات أرباب العمل في مدى الاعتماد على هذه التكنولوجيا وموازنة الحفاظ على العامل البشري المتفوّق إبداعياً، في مقابل أدوات الذكاء الاصطناعي الأكثر إنتاجية والأقلّ كلفةً.
من جانبٍ آخر، يزداد المشهد تعقيداً لدى القرّاء. في الفترة الأخيرة، يواجه الجمهور صعوبات في التمييز بين المحتوى البشري والمواد التي ينتجها الذكاء الاصطناعي. انطلاقاً من هذه المعضلة، قد يتحوّل خيار الاعتماد على التكنولوجيا في الغرف الإخبارية من نموذج يسهم في خفض التكاليف المالية، إلى خطر على الإيرادات في المدى البعيد بسبب تململ فئة من القرّاء من المحتوى الخالي من الأنسنة.
أمّا بالنسبة إلى العاملين في المجال الإعلامي، فيواجه هؤلاء تحدّياً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأخطار والصعوبات المتعدّدة في مجال عملهم. ولم تلتئم جراح الغرف الإخبارية بشكل كامل من التحوّل الذي طرأ جرّاء صعود وسائل التواصل الاجتماعي واحتلالها المشهد بدل مواقع المنصّات الإعلامية الرسمية والطرق التقليدية عبر الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب. وفيما يدفع الصحافيون ثمناً من دمائهم لتغطية الأخبار، وقد شهدت الأعوام الأخيرة ارتقاء مئات منهم بأعداد غير مسبوقة، تطرح أدوات الذكاء الاصطناعي بديلاً أكثر تنافسية في مجالات عدّة من الوظائف الإعلامية.
بالإضافة إلى ذلك، انقضّ عمالقة وادي السيليكون على البيانات بلا رادع من أجل تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، لا سيّما مقالات الوسائل الإعلامية من شتّى أرجاء العالم. والمفارقة أنّ هذه الأدوات استندت إلى أعمال الصحافيين لتعلّم خفايا المهنة، وتستخدم هذه المعرفة لمنافستهم على وظائفهم.
وسط هذا المشهد، لا تنحصر المخاطر على الصحافيين أنفسهم فحسب، بل تفرض ضبابية على مستقبل الصحافة ككلّ. في قلب المحتوى الإعلامي، يبرز العنصر البشري، رغم ضعف إنتاجيّته بالمقارنة مع الآلة، متفوّقاً على الأتمتة في ميدان العمل الإبداعي، الذي يعدّ ركيزة لعدم التكرار وجذب القارئ.
لكن بعيداً من التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على القطاع الإعلامي، تفتح أدواته آفاقاً غير مسبوقة سواء على مستوى الإنتاج أو المساهمة في الاستدامة المالية. وبينما تغيب الضوابط والمعايير الموحّدة بين المؤسسات الإعلامية في تحديد شكل العلاقة وحجمها مع التكنولوجيا الحديثة، ينقل «معهد رويترز» عن الوسائل الإعلامية التي تبنّت نهج أتمتة غرفها الإخبارية، أنّ الديناميكية الأنسب تتمثّل في تولي الآلات الأعمال المتكرّرة بجمع المعلومات ومعالجتها، بما يُتيح للصحافيين التركيز على التغطيات التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي محاكاتها، حتّى الآن.
نقلا عن موقع صحيفة «الأخبار» اللبنانية
، وهي جريدة يومية سياسية تصدر من العاصمة بيروت
منذ عام 2006.










