هناك ساعتان تدقّان الآن في هذه الحرب. واحدة تخصّ واشنطن وتل أبيب، والأخرى تخصّ طهران. واحدة منهما فقط تتحرك عقاربها فعليًا.
تصعيد إيران في الخليج، وامتداده إلى الأردن، واقترابه الآن من مصر، يبدو للمراقبين من الخارج تهورًا محضًا. لكنه ليس كذلك. فهو يستند إلى حسابين لا يستطيع أي قدر من القوة النارية الأمريكية أن يذيبهما: الجغرافيا والزمن. إيران تملك الورقتين معًا. أما ترامب ونتنياهو فلا يملكان أيًا منهما.
الحصن الذي لا يمكن اقتحامه
لنبدأ بالأرض نفسها. إيران ليست العراق. فمساحتها أكبر بأربعة أضعاف تقريبًا، وعدد سكانها يفوق ثلاثة أضعاف، وتضاريسها صمّمتها الطبيعة للدفاع لا للغزو. سلسلتا جبال زاغروس والبرز تشقّان البلاد كجدارين متوازيين. نصف الأراضي الإيرانية تقريبًا جبلي التضاريس.
تقييم معهد “كيتو” (Cato Institute) لحملة برية محتملة كان صريحًا: إذ وصف تضاريس إيران بأنها “قاسية”، وقدّر أن أي غزو شامل “قد يضاهي أو يتجاوز في حجمه حرب فيتنام أو حرب الخليج عام 1991”. أما مجلة “فورين بوليسي”، فذهبت إلى أبعد من ذلك، معتبرةً أن الداخل الإيراني يخلق حواجز دفاعية طبيعية لا نظير لها في أي حملة أمريكية “منذ عمليات القفز بين الجزر في المحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية”. وهذه ليست مبالغة أدبية، بل هو واقع طوبوغرافي. فالجبال لا تفاوض على الجداول الزمنية. إنها ببساطة تستنزف كل من يحاول عبورها حتى يفنى صبره.
المحلل الإيراني أرمان محمودیان، في مقال له بمجلة “ميدل إيست آي”، قدّم الحجة التاريخية.
فإيران لم تستسلم حتى حين احتل العراق مدينة خرمشهر وحاصر مدينة عبادان خلال حرب الثمانينيات. وأشار إلى أن الاحتلال لم يُنتج يومًا استسلامًا إيرانيًا. وأضاف: “أي عملية أمريكية هناك ستواجه المعضلة ذاتها”.
فرزین ندیمي، المحلل الذي يتخذ من واشنطن مقرًا له وليس معروفًا بتعاطفه مع طهران، توصّل إلى استنتاج مشابه بشأن احتمال شنّ إيران عمليات برية هجومية ضد القواعد الخليجية. فالعمليات التقليدية واسعة النطاق، بحسب رأيه، غير واردة أصلًا بالنسبة لأي من الطرفين.
أما هاريسون مان، المحلل السابق في الاستخبارات العسكرية الأمريكية، فكان أكثر وضوحًا بشأن فكرة الاستيلاء على جزيرة خرج، الميناء الرئيسي لتصدير النفط الإيراني. إذ حذّر من أن أي محاولة من هذا القبيل ستكون أقرب إلى “مهمة انتحارية”. هذا هو السلاح الأول: إيران لا يمكن احتلالها بتكلفة يقبل بها الرأي العام الأمريكي، أو الكونغرس، يومًا.
المضيق كورقة ضغط
الجبهة الثانية هي المياه، لا اليابسة. فإيران لا تحتاج إلى غزو مضيق هرمز. يكفيها أن تنازع السيطرة عليه، وهو ما فعلته بالضبط. فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني (البحرية) مرارًا سيطرته على المضيق. جاء في أحد بيانات القوات البحرية: “كل الحركة الملاحية تخضع للسيطرة الكاملة للقوات المسلحة”، محذرًا من أن أي خصم يسيء التعامل مع الممر المائي سيجد نفسه “محاصرًا في دوامة مهلكة”.
المسؤول البحري محمد أكبرزاده كرّر التأكيد ذاته لوسائل الإعلام الرسمية الإيرانية: المضيق، كما قال، لا يزال “تحت السيطرة الكاملة لبحرية الجمهورية الإسلامية”. واشنطن تنازع هذا الطرح، وقد أصدرت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) ردودها الخاصة على هذه الادعاءات. غير أن النزاع بحد ذاته هو بيت القصيد. فخمس النفط العالمي، وخمس الغاز الطبيعي المسال، يمران عبر هرمز. وحتى مجرد الادعاء المتنازع عليه بالسيطرة يجبر شركات التأمين البحري العالمية، ومشغّلي الناقلات، وأسواق النفط، على احتساب هامش لنفوذ طهران. إيران لا تحتاج إلى كسب الجدل حول السيادة، بل يكفيها أن يبقى الجدل بلا حسم. فكل أسبوع يمرّ دون رد أمريكي حاسم هو أسبوع يزداد فيه وزن ادعاء طهران لمجرد أنه صمد.
ساعة مَن التي تدق فعلًا؟
هنا يصبح العامل الثاني حاسمًا: الزمن. إيران لا تخوض انتخابات. قيادتها لا تُسائَل أمام ناخب، ولا كتلة معارضة، ولا دورة استطلاعات رأي. أما ترامب ونتنياهو، فمسؤولان أمام الثلاثة معًا، في آنٍ واحد. نتنياهو يواجه انتخابات إسرائيلية باتت مقررة الآن في 27 أكتوبر، وتُظهر استطلاعات الرأي باستمرار أن ائتلافه سيبقى بعيدًا عن الأغلبية. وهو لا يزال يخضع للمحاكمة بتهم فساد. وشركاؤه من اليمين المتطرف هدّدوا مرارًا بالانسحاب من حكومته. ولاحظ محللون يتابعون السباق الانتخابي أن خسارة نتنياهو قد تحمل تبعات قانونية شخصية، وليس مجرد تغيير في الحكومة. فكل شهر إضافي من الحرب هو شهر عليه أن يبرره أمام ناخبين أنهكتهم الحرب ولم تشعل حماسهم.
أما مأزق وإنكشاف ترامب فمختلف، لكنه لا يقل واقعية. خطابه نفسه يعكس هذا المأزق. فقد تأرجح بين الوعد بـ”ضربة” حاسمة، إذ صرّح لقناة “فوكس نيوز” في أواخر يوليو بأن إيران ستُضرَب بمعدل “عشرين مقابل واحد”. وبين طرح فكرة وقف مؤقت لإفساح المجال أمام المفاوضات، قائلًا في وقت ما إنه “يدرس هجومًا ضخمًا”، بينما كان يصرّ في الوقت ذاته على أن إيران “باتت أكثر جدية” بشأن التوصل إلى اتفاق. هذا التذبذب ليس غموضًا استراتيجيًا مقصودًا. بل هو صوت رئيس يحاول إدارة حرب لا مخرج نظيفًا منها، قبل أن تبدأ ساعته السياسية الخاصة – انتخابات التجديد النصفي – في فرض ضغطها. القيادة الإيرانية لا تواجه أيًا من هذين الضغطين. بإمكانها أن تُمسك بالجمرة المتقدة في يدها، وأن تتحمل وجع الضربات، وأن تحسب حساباتها بالسنوات لا بدورات الأخبار.
الرهان الذي تخوضه طهران
لا شيء من هذا يعني أن إيران تنتصر في هذه الحرب بأي معنى تقليدي. فقد تعرضت دفاعاتها الجوية للتآكل. واقتصادها يرزح تحت الضغط. وخسائرها البشرية حقيقية. هذا رأي، لا حقيقة مسلَّم بها، لكنه يبدو الرهان الذي تخوضه طهران: أن الجغرافيا تُغلق الباب أمام النتيجة الوحيدة التي تريدها واشنطن فعليًا – سقوط النظام عبر الغزو – في حين أن الزمن يعمل ضد القائدين الأكثر تمسكًا بفرض تلك النتيجة.
وإذا صمد هذا الحساب، فإن إيران لن تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا.
نقلا عن رأي اليوم










