هل أعادت بريطانيا رسم قواعد الاشتباك مع إيران؟!

نجاح محمد علي

الحرس الثوري بين الأمن القومي والقانون… هل تغيّر التشريع أم تغيّرت العقيدة البريطانية؟
ليست كل القوانين مجرد نصوص، وليست كل اللوائح مجرد إجراءات إدارية. فبعضها يعلن بداية مرحلة جديدة في رؤية الدولة للعالم، ويكشف كيف تغيّر تعريفها للخطر، وكيف تعيد رسم حدود العلاقة بين الأمن القومي والسياسة الخارجية.

هذا بالضبط ما حدث عندما أعلنت الحكومة البريطانية إدراج الحرس الثوري الإيراني ضمن النظام القانوني الخاص بالتهديدات المرتبطة بالدول.
منذ اللحظة الأولى، انطلقت موجة من العناوين المثيرة: “بريطانيا صنفت الحرس الثوري منظمة إرهابية.” غير أن هذه العبارة، على الرغم من انتشارها، لا تعكس الحقيقة القانونية كاملة، بل تختزل قضية معقدة في وصف مبسط قد يقود إلى استنتاجات خاطئة.
فالذي حدث لم يكن تغييراً في التسمية، لأنه ببساطة تغيير في الفلسفة القانونية نفسها.
ولو أرادت لندن إدراج الحرس الثوري بموجب قانون الإرهاب لعام 2000 لفعلت ذلك، لكنها اختارت طريقاً آخر. وهذا الاختيار ليس تفصيلاً قانونياً، إنه رسالة سياسية وتشريعية في آن واحد.
لقد فضلت الحكومة استخدام الإطار القانوني الذي استحدث لمواجهة ما تصفه بـ”التهديدات الصادرة عن الدول”، وهو إطار لا ينظر إلى الخطر بوصفه صادراً عن تنظيمات غير حكومية فقط، بل يمتد ليشمل كيانات ترى الدولة أنها ترتبط بحكومات أجنبية أو تعمل لخدمة مصالحها.
وهنا تكمن النقلة الكبرى.
فبريطانيا لم تعد تتحدث فقط عن مكافحة الإرهاب، بل عن مواجهة ما تعتبره أنماطاً جديدة من الصراع تشمل التجسس، والتدخل السياسي، والهجمات الإلكترونية، والتخريب، والتأثير في مؤسسات الدولة. إنها، ببساطة، تعلن أن ساحات المواجهة لم تعد تقتصر على الميدان العسكري، فقد أصبحت تمتد إلى الفضاء الرقمي، والاقتصاد، والإعلام، والجامعات، وحتى مراكز البحث.
ولذلك جاء قانون الأمن القومي ليمنح السلطات أدوات لم تكن متوافرة في التشريعات السابقة.
لكن من المهم أيضاً ألا تتحول الحماسة السياسية إلى تجاوز للدقة القانونية.
فالقانون لا يدرج أي جهة تلقائياً، وإنما يمنح وزير(ة) الداخلية صلاحية إصدار لوائح تنفيذية تحدد الجهات التي ترى الحكومة أنها تستوفي معايير الإدراج. وهذه اللوائح لا تصبح نافذة لمجرد إعلانها، فهي تمر بإجراءات برلمانية ودستورية محددة، ويظل السجل التشريعي الرسمي المرجع النهائي في تحديد تاريخ نفاذها وآثارها القانونية.
ولهذا، فإن من الخطأ التعامل مع البيانات السياسية وكأنها هي القانون نفسه.
ومن الخطأ أيضاً الاعتقاد بأن كل ما يقال في وسائل الإعلام يعكس الوضع القانوني الحقيقي.
الأخطر من ذلك، أن بعض التعليقات أوحت بأن مجرد الحديث عن الحرس الثوري، أو إجراء مقابلة صحفية، أو نشر دراسة أكاديمية، أصبح جريمة.
وهذا غير صحيح.
فالقانون البريطاني لا يجرّم الأفكار، ولا يعاقب على البحث العلمي، ولا يمنع الصحافة من تناول الملفات الحساسة.
الذي يهم القضاء ليس الرأي، وإنما الفعل.
وليس الانطباع، وإنما الدليل.
وليس الاتهام السياسي، وإنما اكتمال أركان الجريمة وفق النصوص القانونية.
ولهذا تبقى الصحافة الجادة، والبحث الأكاديمي، والتحليل السياسي، محمية بالقانون، ما دامت تمارس استقلالها المهني، ولا تتحول إلى صورة من صور الدعم أو المساعدة أو المنفعة التي يحددها التشريع.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا الآن؟
يصعب تجاهل أن القرار جاء في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تزامنت مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة المنطقة إلى حافة التصعيد العسكري.
ولا شك أن هذا التزامن يمنح القرار بعداً سياسياً لا يمكن إنكاره.
لكن، في المقابل، لا توجد حتى الآن وثيقة رسمية بريطانية تقول إن الإدراج جاء استجابة مباشرة للحرب، أو أنه جزء من العمليات العسكرية الأمريكية.
فالسبب القانوني الذي أعلنته الحكومة ظل ثابتاً، وهو وجود تقييمات أمنية بريطانية تتعلق بما تصفه بتهديدات داخل المملكة المتحدة.
وهنا يجب على الباحث الجاد أن يفرق بين السياق والسبب.
فالسياق يساعد على فهم القرار، لكنه لا يكفي وحده لإثبات دوافعه القانونية.
ومن هنا، فإن الربط بين الحرب والتصنيف يظل تحليلاً سياسياً مشروعاً، لكنه لا يتحول إلى حقيقة قانونية إلا إذا دعمته وثائق رسمية أو تصريحات حكومية صريحة.
وفي المقابل، لا يعني هذا التطور أن بريطانيا أصبحت طرفاً في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة.
فهذه قفزة في الاستنتاج لا يبررها القانون.
إن إصدار تشريع أمني، أو إدراج جهة ضمن نظام قانوني داخلي، لا يساوي إعلان حرب، ولا يرتب تلقائياً مشاركة عسكرية.
فالقرارات العسكرية تخضع لمسار دستوري وسياسي مختلف تماماً، وتحكمها اعتبارات تتجاوز نطاق التشريع الجنائي.
ولهذا فإن الخلط بين القانون والحرب قد يكون مضللاً بقدر ما هو مثير.
أما على المستوى الدولي، فإن المقارنة تكشف اختلافاً واضحاً في المقاربات.
فالولايات المتحدة اختارت منذ سنوات إدراج الحرس الثوري ضمن تشريعاتها الخاصة بالتنظيمات الإرهابية الأجنبية، بينما اختارت بريطانيا إطاراً قانونياً مختلفاً، في حين لا يزال الاتحاد الأوروبي يتعامل مع الملف بمنهج قانوني وسياسي مغاير.
وهذا يعني أن الحلفاء أنفسهم لا يستخدمون الأدوات القانونية ذاتها، رغم تقاربهم في بعض التقديرات السياسية.
وفي تقديري، فإن الأهمية الحقيقية لهذا التطور لا تكمن في اسم الجهة المدرجة، بل في الرسالة التي يحملها التشريع نفسه.
إن بريطانيا تعلن عملياً أن مفهوم الأمن القومي يتغير، وأن أدوات الدولة القانونية تتغير معه.
فالقانون لم يعد يلاحق القنبلة وحدها، بل يلاحق النفوذ، والمعلومة، والهجوم الإلكتروني، وشبكات التأثير، وكل ما تعتبره الدولة امتداداً لصراع يتجاوز الحدود التقليدية.
وهنا تكمن خطورة المرحلة.
لسنا أمام تعديل قانوني عابر، بل أمام إعادة تعريف للعلاقة بين الأمن، والسياسة، والقانون.
ولهذا، فإن التعامل مع القضية بعناوين إعلامية سريعة يظلمها، كما أن قراءتها بمنظار سياسي فقط يختزلها.
إنها لحظة يتقاطع فيها القانون مع الجغرافيا السياسية، وتلتقي فيها النصوص التشريعية مع خرائط النفوذ الدولي.
وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الدقة ليست مجرد فضيلة مهنية، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية. فحين يتغير القانون، قد تتغير معه قواعد اللعبة بأكملها، أما الذي لا ينبغي أن يتغير، فهو التزام الباحث والصحفي بالحقيقة، والوثيقة، والتمييز الدائم بين ما ثبت بالدليل، وما يزال في دائرة التحليل.
وفي هذه اللحظة الفارقة التي تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية الداخلية مع التحولات الاستراتيجية الإقليمية، يصبح من الضروري أن تزن الدول قراراتها بميزان المصالح الوطنية البعيدة المدى، لا بمنطق اللحظة أو الانحياز التلقائي. فالقدرة على التمييز بين ما يحمي الأمن الحقيقي وما يغلق أبواب المستقبل هي التي تحدد رشاد السياسة واستقلاليتها. والدول التي تحسن هذا التمييز هي التي تحتفظ بهامش للدبلوماسية والتهدئة، حتى في أشد الظروف اضطراباً.

باحث متخصص في الشؤون الإيرانية و الإقليمية

ثلاثاء, 21/07/2026 - 10:20