في الوقت الذي يرزح فيه الأردنيون تحت وطأة ضغوط معيشية متفاقمة، ويواجه الإقتصاد الوطني تحديات متراكمة، فيما تتآكل فرص العمل أمام آلاف الشباب ، يبدو أن إدارة الأزمات ما تزال تدور في الحلقة ذاتها ، إذ يستبدل الأشخاص بينما تبقى السياسات على حالها، وكأن المشكلة تكمن في الوجوه لا في النهج.
وقد أعاد ما أثير مؤخرا بشأن مغادرة وزير العمل فتح باب التساؤلات حول أسلوب إدارة الملفات العامة. وحين تغيب الرواية الرسمية الواضحة، أو تأتي متأخرة ومقتضبة، فإن الساحة لا تبقى صامتة، بل تمتلئ بالتكهنات والإشاعات والتحليلات المتباينة ، فالفراغ المعلوماتي لا يبقى فراغا ، وإنما يتحول إلى بيئة خصبة لكل رواية، سواء إستندت إلى معلومات دقيقة أم لا.
والمواطن الأردني لا يبحث عن الإثارة، بل عن الحقيقة ، ومن حقه أن يفهم أسباب القرارات التي تمس مؤسسات الدولة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بوزارة ترتبط مباشرة بملفات التشغيل والبطالة وسوق العمل . فكلما تأخر تقديم المعلومة، إتسعت مساحة الإشاعة، وكلما غابت الشفافية، تراجعت الثقة بالمؤسسات.
ولعل المشكلة لا تكمن في الإشاعة بحد ذاتها، وإنما في البيئة التي تسمح بإنتشارها. فضعف التواصل الرسمي، وتأخر توضيح الحقائق، يفتحان المجال أمام التأويلات، بينما كان بالإمكان إحتواء الجدل من خلال خطاب واضح وسريع يضع الرأي العام أمام الوقائع .
وتزداد حساسية المشهد في ظل الظروف الإقتصادية الصعبة التي يعيشها الأردنيون، حيث ينتظر المواطن حلولا ملموسة لتحسين مستوى معيشته، لا مجرد تغييرات إدارية قد لا تنعكس على واقعه اليومي. فالمواطن يحكم على الحكومات بما تنجزه ، لا بما تعلنه.
وفي الوقت ذاته، فإن ترسيخ سيادة القانون لا يتعارض مع توسيع مساحة الحوار المسؤول، بل يعززها ، فالنقد الموضوعي ، وطرح الأسئلة المشروعة، والمطالبة بالشفافية والمساءلة، كلها ممارسات وطنية تسهم في تعزيز قوة الدولة ومتانة مؤسساتها عندما تمارس في إطار الدستور والقانون .
أما جوهر القضية، فلا يتعلق ببقاء وزير أو مغادرته، وإنما بمدى قدرة الحكومة بأكملها على إدارة الملفات الوطنية بكفاءة، والتعامل مع التحديات برؤية واضحة، وإستعادة ثقة المواطنين. فالمسؤولية السياسية بطبيعتها مسؤولية تضامنية، ولا يجوز إختزالها في شخص وزير واحد ، لأن الحكومات تحاسب على مجمل أدائها وسياساتها ونتائجها.
ومن هنا، فإن أي مراجعة حقيقية يجب أن تبدأ بتقييم شامل للنهج الحكومي، وللسياسات الإقتصادية والإدارية، ولآليات إتخاذ القرار والتواصل مع المواطنين، وأن تبنى على معايير واضحة للمساءلة والإنجاز، بعيدا عن الإكتفاء بإجراءات قد يراها الشارع غير كافية لمعالجة جذور التحديات.
كما أن الإعلام الرسمي مطالب اليوم بأداء أكثر فاعلية في إدارة الأزمات ، عبر المبادرة إلى تقديم المعلومات الدقيقة للرأي العام بسرعة وشفافية، لأن الحقيقة إذا تأخرت ، سبقتها الإشاعة، وإذا غاب التوضيح، حضرت التأويلات.
والأردن يمتلك من الخبرات والكفاءات والمؤسسات ما يؤهله لتجاوز مختلف التحديات ، لكنه يحتاج إلى إدارة سياسية تمتلك وضوح الرؤية، وسرعة القرار، والقدرة على المصارحة، بما يعزز الثقة بين الدولة والمواطن.
وإنطلاقا من ذلك، فإنني أرى أن المرحلة الراهنة تستوجب مراجعة سياسية شاملة لا تقتصر على تغيير وزير أو إجراء تعديل محدود ، بل تمتد إلى مساءلة الأداء الحكومي بأكمله ، وإذا كانت الحكومة قد إستنفذت قدرتها على إقناع الشارع بقدرتها على معالجة التحديات الإقتصادية والإجتماعية وإستعادة الثقة العامة، فإن المطالبة بإقالتها وتشكيل حكومة جديدة برؤية مختلفة ونهج أكثر كفاءة وفاعلية تبقى رأيا سياسيا مشروعا، يطرح في إطار الدستور والقانون ، ويهدف إلى تجديد أدوات الإدارة العامة وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات دولتهم.
فالأردنيون لا ينتظرون تغيير الأسماء، بل تغيير النهج ، ولا يبحثون عن بيانات مقتضبة، بل عن وضوح يبدد الإشاعات، وشفافية تعزز الثقة، وإدارة تتحمل مسؤولياتها السياسية أمام الوطن والمواطن. فالحكومات تقاس بقدرتها على الإنجاز ، لا بطول بقائها، والثقة تستعاد بالأفعال لا بالشعارات.
حفظ الله الأردن، قيادة وشعبا ووطنا.
نقلا عن رأي اليوم










