من بين الأسماء التي طالعتها، ضمن من يقول أصحابها إنها استفادت من التحويلات المالية الأخيرة ضمن عملية "عون" اسم "ورَّادَة"، وهو اسم يلفت الانتباه، ويختزل معاناة حقبٍ من الاسترقاق، ويوثق جانبًا من تاريخها.
"ورَّادة" صيغة مبالغة من "الوردة"، أي جلب المياه من الآبار والعيون وتولي هذه المهمة العويصة والمتعبة والدائمة.
في العادة يختار الآباء أسماء أطفالهم بما يعبر عن أمنياتهم لهم، أو الطموحات التي يسعون لأن يحققها أبنائهم، أو تبركا بأحد الأسماء ذات المكانة الرفيعة.
فتجد الطفل يُسمّى تيمّنًا بشخصية يقتدي بها والداه ويرجوان أن يكون مثلها، أو دعاءً له، مثل اسم "السالم" إذا كان إخوته الذين سبقوه قد تعرضوا للأمراض أو لمخاطر مختلفة.
أما في أوساط العبيد، فكانت أسماء الأطفال كثيرًا ما تعكس الدعاء للسادة أو الارتباط بهم، مثل "إسلم عربيه"، أو "إسلم عربيها" و"امباركه" وغيرها.
لكن نادرًا ما تجد اسمًا مثل "ورادة"، وهو اسم يختزل أملًا محدودًا كانت يريده الأسياد لخادماتها؛ أي أن تكون "ورادة"، كثيرة الذهاب إلى الماء وجلبه. فالـ"الوردة" أو "ارواية" كانت مهنة شاقة مارستها الخادمات في الماضي، وتعرضن خلالها لأبشع صور الاستغلال والاسترقاق.
وتزخر الروايات بقصص عن خادمات فقدن أثناء جلب الماء، أو افترستهن الضباع والحيوانات المفترسة، حتى أصبح ذلك العام علامةً تاريخيةً يُؤرَّخ بها. كما تُروى قصص عن أخريات وضعن أبناءهن في الطريق بسبب طول المسافات ومشقة الرحلة.
باختصار، ما تزال بعض أسمائنا تفضح جانبًا من تاريخنا الاستعبادي، وتحمل في طياتها شواهد صامتة على معاناة أجيال مضت، وهي بحاجة لعملية انتقاء واعية للموروث التاريخي عموما، وللتاريخ الشفاهي بشكل خاص، وقبل ذلك وبعده وأثناءه لعلاجات جذرية لجراحات الماضي والحاضر، والتعاطي معها بأسلوب مختلف بدل محاولة إنكار واقع تتكشف شواهده في كل تفاصيل حاضرنا أحرى ماضينا.
لا يعرف صعوبة "الوردة" من ميراد طويل إلا من عاش مثل هذه الأشهر (أشهر الصيف)في مناطق البادية في أعوام الثمانينات والسبعينات وحتى التسعينات.










