العدوانية في السياسة

د. ادريس هاني

لفشل السياسة والأحزاب السياسية في البلاد العربية أسباب متعددة، لعل أهمها غياب الرشد العقلي والنفسي معا. ودائما ومن موقع التجربة والتأمل الميداني سنكتشف آفات البدائية السياسية، بكل تجلياتها، باستثناء كون مجتمعات اللادولة، تحترم النسق القبلي والطقس والرمز الطوطمي، فهي مجتمعات مستقرة.

لكن النزعة الطوطمية حين تتداخل مع شروط مجتمع الدولة، أي في شروط الرأسمال اللابرجوازي ، فإن الجشع السياسي ينتهي إلى ممارسة سياسية حاقدة تقوم على القتل الرمزي بدل الطقس الرمزي الجماعي.

تلخص السياسة هنا ذاتا بارانويانية عاجزة عن ممارسة السياسة برقي حضاري. تلعب السياسة في مجتمع الطوطم العربي الحديث دور السحر، مع خلاف في إدارة المعنى والرمزي يجعل المجتمع العربي الحديث لا هو بدائي على طريق مجتمع اللادولة ولا هو حديث يدبر السياسة بمنطق علمها.

تمثل الأحزاب السياسية هنا قبائل متناحرة، ويلعب القتل المعنوي دورا رئيسيا في تدبير التعددية، ما يكرس سوء الثقة والخوف المتبادل. في مثل هذه المجتمعات اللاسياسية، تكون ضريبة الموقف باهضة، وتصبح السياسة امتدادا للحقد والحسد والتنافس غير الشريف.

يضطر المثقف أن يأخذ مسافة موضوعية من السياسة نظرا لما تنطوي عليه ممارستها في البيئة الطوطمية الحديثة، من آفات وهنات، وهي في المجتمعات العربية ممارسة لاإنسانية، لأنها بالمختصر المفيد تصفية حساب وثأر طوطمي في شروط يهيمن عليها العود الأبدي وإعادة الإنتاج. فالهروب من السياسية هو هروب من الأحقاد وكل أشكال الاستئصال. هكذا في نظر المثقف الرافض للطوطمية السياسية، تمثل السياسة وباء عاصفا بالملة، لا يتعلق الأمر بعزوف سياسي، ولكنه يتعلق بالتسامي، وهو أمر يصعب أن يدركه الوصوليون الزاحفون على طريق الأطماع، والذين يمارسون السياسة بإسقاط سيكوباتولوجي. هنا يبدو السؤال الملح: لماذا يكره أرباب الدكاكين السياسية المثقف الحر؟ لماذا يجعل حرافيش السياسوية في محنة من أمرهم وهم يفضلون الطعان في من زهد حيث طمعوا، في من سار حيث جبنوا، في من صدقت لهجته حيث كوعوا. إنهم في محنة حقيقية، لأنهم يرون في وضوحه وصدقه معالم لعنتهم الأبدية.

 

من هنا يتعين بدأ إصلاح السياسية باعتبارها ممارسة مدنية تحمي المجتمع من الهمجية. ولعل أبرز تجليات هذه الهمجية تكمن في وحشية تشنيع الوصوليين ضد الصادقين، لأن هؤلاء وحدهم عدو الدجل.

يتجلى الوفاء الهمجية في العدوانية المتخفية وراء سبابة المواقف السياسية الممسرحة. وطبعا، يوجد تمكين خاص للهمجية السياسية. لا يتعلق الأمر بطفيليات سياسية، بل الهمجية باتت تتصدر المشهد، وعصائب تسميم المشهد يمارسون وظيفة محاصرة الأحرار في وضع مريح وبمزايدات سياسوية. لتعرفنهم في لحن القول وأكياس تناقضاتهم المهولة. من يا ترى وراء هذه الخدعة؟

ليس أسهل على منحط جبان أن يشنع على حر طعانا، فهذه هي ضريبة عدم الاستقالة والقيام بمسؤولية الإصلاح ما استطاع الإنسان، لأن المثقف الحقيقي لا يأخذ رخصة النهوض بمسؤوليته من سقط المتاع. أيها الحرافيش، اعلموا أنه لا يصح إلا الصحيح.

نقلا عن رأي اليوم

ثلاثاء, 26/05/2026 - 20:44