لخص لي أحد تابعي جيل التأسيس، أو المخضرمين، - حسب تعبير بعض دارسي الأدب، أو تاريخ الأدب -السياقَ الثقافي والسيادي لأبيات الشاعر لبحيري، محمدي ولد أحمد فال في أنه لما لاحظ مع مجموعة من علماء وشعراء هذه البلاد خطر المسخ الثقافي والحضاري، واتخاذ مناخ الاستقلال وهالته، وسيلة لتعزيز وتكريس هذا المسخ من خلال مجموعة من المظاهر والسلوك؛ أبرزها،اتخاذ اللغة الفرنسية وحدها لغة التعليم والإدارة والتوظيف والمدنية، والمال والجاه… مقابل تهميش اللغة العربية في المدارس، وتهميش وتتبيع حامليها في الوظائف وفي الإدارة، أو صلوا انزعاجهم وطلباتهم للرئيس المختار ولد داداه رحمه الله، فوعدهم بالاستجابة لطلباتهم وإيقاف أسباب انزعاجهم، وسد مداخل تحويلهم إلى غرباء في وطنهم، لكن الرئيس لم ينجز وعده في الفترة التي يرون أن "ما بعدها إلا الأكل"، فقرروا تنبيهه مرة أخرى..
وأثناء البحث عن أنسب وأنجع طريقة لتنبيه الرئيس على إنجاز وعده، والتعبير له عن استبطاء القوم، قرر ولد أحمد فال ونسيبوه ( وكل غريب للغريب نسيب) اغتنام فرصة وجود المختار في مدينة لعيون لرئاسة مؤتمرها يوم 24 يونيو من عام 1966؛ فاستأجروا سيارة لتحملهم ورسالتهم والزعيم بحمل رسالتهم إلى مدينة لم يكونوا بالغيها إلا بشق الأنفس..
ويبدو أن السيارة لم تصل المدينة ومكان انعقاد المؤتر إلا بوقت ضيق. لا يسمح للزعيم بالتخلص من وعثاء السفر دون أن تفوته فرصة الوصل، فارتكب أخف الضررين ودخل القاعة أشعث أغبر ، ثم تولى إلى ركن قصي منها، والرئيس قد أكمل جلسته على المنصة لتوه تمهيدا للشروع في أفعال المؤتمر وأقواله…
فلما رأى المختارُ صاحبنا ورآه (. تراءى)، لم يقل الرئيسُ رحمه الله ما قالت. حنان .. ( .. ما أتى بك هاهنا أذو نسب أم أنت للحي عارف)، وإنما عرف ما بصاحبه، فأومأ للمعني باختيار المترشحين للتدخل بأن سجل فلانا..
فلما نودي عليه بأن يتدخل، لم يزد على أن أنشد بلسان حاله - على سبيل التمثل - قول كثير:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه .. وعزة ممطول معنى غريمها..
ثم أنشد بلسان مقاله:
لسان الضاد يرمق بالعيون .. إليك اليوم مؤتمر العيون…إلخ.
فتفاعل الرئيس مع رسالته تفاعلا حل محل وضع الحجر الأول في بناء مسار للتعريب والتسييد، غير أن عوامل كثيرة حالت دون إكمال ذلك المسار ودون تشييده بالمواصفات الوطنية، ودون استخدامه وفقا لقواعد السلامة ومتطلبات الصيانة والترشيد والسيادة،
وكانت الأدلجة والتسييس والارتباط أو الربط بالخارج عن طريق نشاطات وشعارات الحركات السياسية القومية ذات الطابع العرقي التي تولت كبر إخراج اللغة عن سياقها الحضاري الوطني الجامع،وسعت في تجريدها من أقدس وظائفها، وهي نشر وفهم نصوص الوحي وأصول الدين وفروعه أكبر تلك العوامل وأكثرها وأخطرها تأثيرا على كمية ونوعية وشمولية وأمان هذا المسار..










