ايران بين التكويع والصدمة

د. ادريس هاني

الفجوة التي تفصلنا عن ميلاد السردية الجديدة لقيام نظام عالمي جديد، هي فجوة حمقاء، لأنها تعكس مشهد الفطام الصعب. هل تذكرون أغنية رسم أحمق للأطفال، من كلمات وألحان الفنان السويسري هنري دي(Henri Des) أو بالأحرى  (Henri Destraz)= إسمه الحقيقي؟

لنضع ترامب بطلا للأنشودة، ولنردد: إنه رسم أحمق، أحمق، أحمق..أي سلاطة هذه؟

( C’est un dessin fou, fou, fou. Quelle salade).

 

يتعلق الأمر بفشل ذريع في بناء سردية حقيقية، لا أحد سيصدق من تنكر لحلفائه قبل خرقه القانون الدولي. الأمريكيون غاضبون، وهم في انتظار تصويت عقابي في الانتخابات النصفية. لكن في الطرف المقابل، تملك إيران – رغم عنف القصف والضربات- في هذه المعركة كل مقومات بناء سردية مقنعة. إن الانتصار اليوم هو في نهاية المطاف، انتصار سردية ما.

لقد فشل ترامب في صناعة سردية مقنعة، بل هناك سرديات إقليمية أخرى فسدت، وهي تراهن على الترقيع عبثا، فيما هناك من تجاوزها مخاتلة، لكي لا يدفع فاتورة عقود من التجديف.

*لما صفقوا قبل الأوان*

قبل نشوب الحرب الأخيرة، وتحت طائلة التهديد والتلويح بمحو إيران من الخريطة، تعالت صيحات شامتة، وتضخمت الكهانة السياسية، لم يعد هناك مساحة للاحتمال. لقد استعجلوا النهاية، واستهتروا بقيمة الصمود، لقد كانوا ضحية إسقاط سيكولوجي جماعي، فكانت خيبة الأمل.

*بين التكويع والصدمة*

لم يكن متوقعا من خصوم طهران أن تصمد بهذه الكيفية. ربما اليوم يوجد – من كان جزء من الحملة على إيران – من سيخبرنا نحن من أدرك هذه الحقيقة قبل أربعين عاما، سيرددون ما أرسلناه عفو الخاطر، ما لامونا عليه واسرفوا في اللوم والتشنيع. وبدل أن يعترفوا بصحة حكمنا على الأحداث، هرولوا وتمثلوا رأينا كما لو أنهم ما فعلوا شيئا، (les Bandits)!

أما لماذا كوعوا فلك الجواب:

فبعد أن نهضوا بمهمة أربعين عاما ونيف من التشنيع الممنهج ضد إيران، لماذا أصبحوا ضمن هذا الدياليكتيك المزيف يقدمون أنفسهم ضحايا الموقف التضامني؟ ثمة شيء غريب يصعب تفسيره بغير تكامل أدوار الأطروحة ونقيضها الزائف. يحسب الطرف الأول أنه يحرج الطرف الثاني بهذا التشنيع، لكن لا يفطنون لجوهر اللعبة، ألا وهي أن هذا التوصيف يطلبونه لمحو الصورة القديمة. فالطرف الأول لا يفعل من التجديف إلا ما كان كرسه الطرف الثاني، يا لها من لعبة قذرة!

إنهم يدركون حجم الأكذوبة التي حاكوها ضد القوم، وهم يحملون وزر هذا التهريج الذي تفننوا فيه، واليوم حيث تجاوزتهم الجماهير ، واكتشفت تجديفهم القديم، هرولوا إلى الأمام، مع أن فلتان اللسان تفضحهم، وقواعدهم لا زالت على العهد من تلك الشنشنة، ومجموعاتهم المغلقة خير مثال لمن عرفها. لقد أدركت الجماهير في العالم كله طبيعة اللعبة وبؤس السردية القديمة، ولم يبق أمام القوم سوى الهروب إلى الأمام وافتعال جدل مزيف، لتكريس أنفسهم في طليعة التضامن مع من قالوا فيهم حتى الأمس القريب ما تشيب من هوله الغربان، بل ربوا جيلا كاملا على الكراهية والحقد. وطبعا سيحتفظون ب(لكن) الاستدراكية.

*كلهم خبراء ستراتيجيون حتى ربات الحجال*

حتى في أفلام كرتون، لا يمكن أن يعطي الجرذ الكنغري(Dipodomys ) دروسا في السياسة والحرب للأسود. شيء لم يدركه جان دي لافونتين في حكاياته ولا جورج أورويل في مزرعة الحيوانات.

لا شيء يعجبهم في هذه المعركة، إنه فن أن تكون دائما على صواب، بتعبير شبنهاور، وإن كنت لا أرى فنا فيما يقدمه المتحرقون من اعتراض؛ الصديق احمديان ومن دون عناء، لعب الكرة بالمهرجين.

فأما التحليل بالشعوذة، فهو نمط تفاحشت أساليبه بالتوازي مع التصعيد. ففي زواريب الجهل بتاريخ الأمم وجغرافيا الحرب، تتقافز الجرذان الكنغرية في كل اتجاه، وحينئذ ندرك بأننا حقا نعيش عصر المهانين.

يهمني دائما التحليل النفسي لحرافيش السياسة، والوسواس القهري الخناس الذي يجعل التفاهة تطل علينا صباح مساء، فيغدوا السباق جموحا، متوحشا= (هركاويا) بامتياز.

هذه الظاهرة وحدها تفسر عملية النط في كل اتجاه، تفسر ما يتعذر فهمه بأدوات التلقي الساذج. ظاهرة التكالب على مصادر الارتزاق؛ السباق الأشعبي على البترودولار. بعض المتذاكين المتاجرين في الأزمات، يمارسون ضربا من الابتزاز وعرض خدماتهم عبر التكويع والتكويع المضاد. لا أريد أن أتحدث عن أمثلة ونماذج من هذا النمط، لكن لا بد من التأكيد على أن هذه العصابات الناشئة كطفيليات على حافة السقوط المدوي لمهنة التحليل السياسي، وهي التي ليست كما لم تكن يوما جادة فيما تقول.

أنظر مرة أخرى إلى المشهد، يثيرني نموذج القردة الثلاثة التي لا ترى، لا تسمع، ولا تتكلم طيلة فترة الحرب الكبرى على المنطقة. بدعة أخرى انضافت إلى عوائد وطن عربي مفروم الوعي، وهي أن المثقف غير معني بمصائب ومصارع الأمم. والغريب أن هذا الرهط من المثقفين لم يتحفوا تاريخ الأفكار بفكرة واحدة من كيس خوارزمياتهم الميتة، بل ساهموا في جمع أعقاب المفاهيم المستعملة من نفايات وأرصفة المعرفة، ما يزيد من بطؤ اشتغال الذهن وتعطيل ملكة الإبداع. ما هي وظيفة المثقف إذن إن لم تكن هي الإنخراط في قضايا الشأن العام، ومقارعة الزيف؟!

*نظرية انفجار الناموسة*

استلهمت بناء هذه النظرية من الواقع السياسي المشحون بحرفة الكذب. سيعفينا من مهمة تفكيك الظاهرة كل من حنا ارندت، وجاك ديريدا.

أمعن النظرة مرة أخرى في المشهد، فيثيرني حجم الأوهام التي صبت فوق الرؤوس طيلة الأزمنة الضائعة. إن تراكم الأوهام لا بد له من نهاية. تاريخ الكذب وفق مونتاني يبدو مستحيلا، لقد اهتديت إلى نظرية انفجار البعوضة، والتي يعني انفجار الأوهام، شأنها شأن انفجار البعوضة من فرط امتصاص دماء النيام. كل وهم مصيره أن ينفجر.

واستطرادا أقول: يجهل محترفوا صناعة الوهم دور الزمن في استهلاك المغالطة، فالبعوضة كالنمام السياسي، يقدر عمرها بأسبوعين حتى أربعة أسابيع بحسب يقظة أو جهل المتلقي. هؤلاء ضحايا ذهان مزمن يجعلهم يعتقدون خطأ أنهم سيستمرون في فرض سرديتهم وهيمنتهم على المتلقي إلى الأبد. في تمكيننا للمتلقي من آليات دحض مغالطة حرب البروباغاندا، نقترح طرائق قددا ومنها:

– الأول: قارن بين التاريخين والوضعين، وشغل الحدس واقرأ في ثنايا التحرق، شحنات الحقد والحسد.

– الثاني: لا تنظر إلى شكل الخطاب، بل انظر إلى غايته، ستجده يحقق غاية موضوعية تلتقي مع أهداف مشبوهة.

– الثالث: انظر إلى المكتسبات، من يربح ومن يضحي، يكفي هذا لمعرفة الفارق.

– الرابع: عمليا، من المحاصر ومن يملك فسحة العمل؟ من يتربع على عرش الجمعيات والهيئات ومن هو المحروم من ادناها؟

إن يقظة المتلقي كفيلة بإحباط استغلال الموقف. لكن انفجار الوهم هو حتمية لا مفر منها. وأحيانا نسمح للبعوضة بالتمادي، لمعرفتنا بمصير هذا الإنفجار الصامت. إن عمر الدجل قصير.

*ما الذي اسقطته صواريخ خرمشهر وفتاح وهلم جرا؟*

كثيرة هي السرديات التي قدمتها صواريخ من نعتوا بالملالي حد الملل. وإن كانت تلك السرديات لا زالت قائمة في أدمغة من ركزوا بين السلة والذلة. لنتذكر بعضا مما قوضته الحرب من سرديات كيدية وحمقاء:

ـ ظل القول حتى الليلة التي سبقت الحرب، بأن كل ما يفعله القوم وما سيفعلونه هو مجرد تقية.

إن كانت التقية بإجماع من أسلم إنما شرعت لدفع خطر الموت، فالقوم تفننوا في ملاقاته.

ـ قالوا أن القضية الفلسطينية إن هي إلا مطية لمصالح أخرى سريالية. وتبين أن القوم رموا بكل مصالحهم محض قومية، لصالح عدالة القضية الفلسطينية.

ـ قالوا حتى آخر لحظة، وهناك من لا زال مصرا على ذلك، أنها مسرحية، لكن في ذروة التضحية لم يعد بالإمكان الحديث عن مسرحية إلا بخطاب ممسرح.

لماذا كل هذا العنت، والحكاية لا تتطلب سوى فضيلة الاعتراف؟ مرة أخرى نذكر بقيمة الوفاء، فالخذلان سبب نكسة هذه الأمة. لقد فاض الكأس غضبا، لا أريد أن أقول: بئس الأمم !

نقلا عن رأي اليوم

جمعة, 01/05/2026 - 23:05