الطرق يصنعها المشي... قرأت هذا المثل الإسباني فى تحقيق للعربي الكويتية مطلع 2009؛ كنت حينها طالبا يدرس القانون (بالحسانية) فى مدرج المعرفة بجامعة نواكشوط؛ ويسهر الليل يقارن بين نهاية " ليس للجنرال من يكاتبه " و " ذهب مع الريح " فى جلسات أدبية تتخلها كؤوس شاي فانتاوية المذاق؛كان يعدها صديق أصبح لاحقا محامي خلع فى محاكم نواكشوط الجنوبية.
وحين طالعت هذا المثل؛ كنت قد تعبت من المشي؛فمنحني قدرة سحرية لمواصلة السير رغم وعورة الطريق وبعد المسافة؛ فأنا قادم من الأطراف صوب المركز؛ والمركز بطبعه لايحب المشي ولا أهله وإن تظاهر بذلك فى اليوم العالمي للشباب وفى ماراثونات المشي والجري .
والمشي فعل مناف للسكون ويحث على الحركة وهي من ثوابت نواميس الكون؛ إلا أنه غير مضمون العواقب فى نواكشوط؛ فأغلب الذين وصلوا لم يحركوا ساكنا طيل مسارهم الذي يُفترض فيه أن يمشوا أو يتحركوا .... لكنهم وصلوا .
بالأمس تابعت نشاطا رسميا كان المتحدث فيه أحد سكان غرفة الحي الجامعي الذي كنا نجتمع فيه؛ كان مُعد معجنات رهيبة يخلط فيها العدس مع سمكة التونه العنيدة؛ وكاد أن يودي بحياة رفيق من أهل الريف قدم للعاصمة بغية اكمال تعليمه و لديه معدة عجل لا تتحمل تفاعلات طعام مراهقي نواكشوط الذين يأكلون كل شيئ تقريبا ولاينامون .
شاهدت الشاب الذي مضى على آخر لقاء بيننا عقد ونصف العقد؛ تحولت ملامحه بقدرة قادر وتحت تأثير جميع "ياورات " العالم الى مسؤول مقنع رغم فداحة ماصنعت بملامحه ليالي بيت الجامعة.
وحين جلسنا لشرب شاي فى ممر لولبي فى قصر المؤتمرات ، قدم لي نصيحة من كان رفيق درب :
"ابتعد عن المشي، وأصدقاء العشوائيات اولئك الذين لاهم لهم سوى جلد الذات وتذكيرك بمشاكل زيوت محركات (بيجو وافانسيس ) .
وأضاف بثقة من لديه طموح وزاري :
"حاول أن تلتحم مع الفرقة الناجية اولئك الذين يقضون جل وقتهم فى جزر الخالدات ولديهم مصاهرات صلبة فى جهاز الدولة".
اشفقت على المسكين؛لقد قضى عليه القلق المهني وكوابيس النكوص الاجتماعي
ودعته وأنا افكر فى تمضية نصف ساعة وأنا اتمشى فى ملعب "ملح " وأشرب الذهبي مع صديقي معلم العربية فى مدرسة الخنساء قرب " الشيارة".
الصورة هدية من الشريف شياخ ... (رب مصور لم تلده أمك).











