حين يكثر الكلام ويفقد قيمته المعرفية، عليك بلغة الصمت، وذلك هو آخر سلاح لحماية ما تبقى من جدوى التعبير عن الحقيقة. إن الصمت في مثل هذه الحالة يصبح أبلغ في التعبير من كلام جامح فاقد للمراد الجدي كما تؤكد مباحث الألفاظ. فعند المقايسة لن تجد في هذا النزيف من مقاتل المعنى سوى صرير وزقاح وفحيح وزعيق ونهيق ونقيق… مع احترامي لمزرعة الحيوانات من هذا المجاز المحايث للحقيقة، الفرق هنا يتعلق بالمناسبة، ففي مزرعة الحيوانات، تلك هي لغتها لا تحيد عنها، وهي ليست مغالطة، لكنها مما لا ينبغي للإنسان، لأنه في مثل هذه الحالة هو في وضعية خيانة لأصل اللغة ووظيفة الكلام.
غير أن المطلوب من أهل النظر أن لا يتركوا هذه الفجوة في تاريخ المعنى سائبة، ولا يسمحوا للضوضاء أن يحكم قبضته على العقل، بل يتطلب الموقف تصعيدا ابستيمولوجيا في تحليل وباء المغالطة المعدلة.
تتيح هذه المرحلة للمحلل ظواهر فاضحة أمامه في عملية الالتفاف الكبرى على العقل باسم العقل، مما يتيح إنتاج مصل(Serum) ابستيمولوجي ناجع ضد المغالطة، التي فتكت بالجسد العقلي لدى قطيع بشري ممتد على هذه البسيطة، ولنا في بيدائنا العربية من هذا الوباء النصيب الأوفر.
يمنح الضوضاء للقزمة تعويضا خادعا، يراهن على هرمونات متلقي مسرنم(sleepwalker)، يمشي فاتحا بصره ومغلقا بصيرته، على حافة الوعي، وهو الرهان الوحيد الذي يؤكد أن نهاية المغالطة تكمن في مصل الوعي الذي تخشاه هذه الأخيرة، فيزداد لديها عنف الخطاب.
إن عمر المغالطة مهما طال هو مرتهن لشروط تقبلها لحظة استقالة الوعي الجمعي.
أصبح التعايش مع الزيف من عوائد الاجتماع، مما يجعل مهمة الاستدلال معقدة.
غالبا ما يعتقد الإنسان أن المعضلة تكمن في بنية الاستدلال، وهذا بالفعل شطر من المشكلة، لكن المسألة تتجاوز الاستدلال إلى إرادة وكفاءة التلقي، باعتبار الاستدلال هو ضرب من المعاقلة، أي التعاقد بين مخاطب ومتلقي بينهما مشترك منطقي. غير أن الحاصل اليوم، أن المتلقي اختلت خوارزمياته، والمخاطب نصاب محترف مغالطة، والسياق التاريخي يمنح حصانة للتفاهة. هناك خلل في العقد التعاقلي، لا يخفف من غلوائة قيام العقد الاجتماعي.
يوما بعد يوم تشعر القزمة بأنها استطالت في الوجود، وسوف يتحول هذا الشعور إلى لازمة ذهانية، ومن هنا سيكتسب الضوضاء سلطة، وسوف يؤلمه الصمت، لأن هذا الصمت هو آخر قلعة للصمود، بينما المطلوب هو الإنخراط الاجباري في الضوضاء، وذلك من باب: حشر مع الناس عيد!
نقلا عن رأي اليوم











