وحال بينهما الموج..

خالد الفاظل

كل إنسان في هذا العالم، يرى النجاة من زاوية تنشأته وأفكاره ومعتقداته، أو قوة وسائله العلمية والمادية في إنقاذ نفسه من الأخطار المحتملة. والبعض الآخر يجد أن النجاة أكثر تجسدا في الأخطار الملموسة في الدنيا، النجاة من الفقر والمرض والظلم والسجن والموت المبكر، أما بعد الحياة فلا يوجد حسب ظنه سوى عدم كمومي ومعتم للغاية ولا متناهي..

كانت فكرة النجاة الأولى التي تبلورت في ذاكرتي البصرية هي النجاة من العواصف التي تكون الرياح صوتها العنيف، وأعمدة السحب المتكثفة لونها القاتم الذي يطبق على زرقة السماء. وحينما تصيح قطعان الماعز، وتصفع الأغطية جدران الأعرشة بكل قوة وترتجف القلوب وتهتز الأسقف كأنها ستطير نحو وجهة العاصفة. في تلك اللحظة؛ وهم يمسكون أضلع العريش حتى لا يسقط على رؤوسنا، أسمع أدعية ترتفع ابتهالاتها مثل دبيب إيماني قادم من أعماق الكون السحيق، وهي تنشدُ النجاة من خالق عظيم لا تدركه الأبصار...

يبدو لي أن ذلك الرجاء المرتجف مع الأخذ بالأسباب، كان أكثر مكوثا في ذاكرتي من صوت تلاصق مكعبات الأسمنت المسلح وقضبان الحديد وهي تصنع لنا أمانا ماديا ضد العواصف الهوجاء. لكنه أمان لا يوقف أبدا عواصف البحث عن النجاة، والآتية من أعماق النفس البشرية وهي محاصرة بقلق المعنى والمصير. النفس البشرية وهي تبنى حولها أسوارا جديدة من وهم الغرور كلما نجحت في تسخير الطبيعة لصالحها، وهي أوهام راودت أقواما سبقتنا:

(( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ))

وهي أسباب جاءت أيضا مع الإيمان، دون أن تحمل معها الجحود وأوهام الغرور:

(( وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ))

أما في قصة نوح؛ فنرى مشهدا قرآنيا آسرا في وصفه، جمع بين الأب وابنه. كان هناك جسران قويان للغاية، جسر العاطفة وجسر الإيمان. كان معنى النجاة في مشهد الموج يتجاوز البعد المادي للنجاة، بوصفها مجرد خطوة بسيطة يقوم بها الأبن وتنتهي غالبا بركوب السفينة والوقوع في أحضان الأب المتلهف لأنقاذه من الغرق، ليس من الغرق في الماء، بل الغرق في الجحود. فلم يكن الماء هو الخطر الأكبر في مشهد الموج الضخم! بل كان الغرور والثقة في الأسباب المادية ووهم القوة والتفوق هو الذي ابعد الإبن عن التسليم للخالق والإيمان به. حتى لو حاول الأبن الصعود نحو السفينة ولم ينجح، فإنه نجا من الخطر، نجا من خطر الجحود وإنكار الخالق حتى وإن لم ينجو من الغرق بين أمواج الماء المنهمر..

ويبقى وصف المشهد الختامي للحوار الذي دار بين الأب والأبن يحمل قوة رمزية من المستحيل بمكان الإحاطة بما تزخر به من معاني ودلالات. كأن ذلك الموج الذي حال بينهما كان ستارا ثقيلا فصل بين وجهتين وقضى على آخر فرصة للإنقاذ. لم تستطع العاطفة أن تتغلب على المصير، وهذا في حد ذاته مشهد ملحمي لطالما كان حاضرا في قصص القرآن، ويحمل دلالة واضحة للبشرية باختلاف ألوانها وألسنتها. اليهود والنصارى كانوا يقولون بأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأبليس قال إنه خلق من النار وأنه الأفضل، وقابيل قتل أخاه هابيل حسدا، ووالد إبراهيم لم يشفع له استغفار خليل الله، وامرأة لوط عذبت مع قومها بينما نجت امرأة فرعون. أما إخوة يوسف فأنهم تابوا وتسامحوا، قبل أن يُسدل ذلك الستار بينها إلى الأبد...

الله وحده هو الذي يحددُ المصير، وعلى الإنسان أن يسعى بقوة الإيمان والتسليم والعلم والأسباب نحو مصيره في مشهد دنيوي معقد تتدافع فيه أمواج كثيرة من الأفكار المختلفة...

(( قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ ))

اثنين, 23/02/2026 - 16:50