وصول مجموعة حاملة طائرات أمريكية إلى الشرق الأوسط: المنطقة تحبس أنفاسها

جاسم العزاوي

وصلت مجموعة ضاربة من حاملات الطائرات الأمريكية إلى الشرق الأوسط، في وقت يحبس فيه الإقليم أنفاسه. لقد مرت ستة أشهر على “حرب الاثني عشر يوماً” في يونيو 2025، والتي زُعم أنها دمرت المنشآت النووية الإيرانية. واليوم، جدد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو والرئيس الأمريكي ترامب تهديداتهما بشن ضربة عسكرية على إيران. وبالتزامن مع ذلك، تجتاح الاحتجاجات 31 مقاطعة إيرانية. وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، تحول التركيز من التساؤل عما إذا كان الصراع سينفجر، إلى زوج من الأسئلة الأكثر تقلبًا: متى سيبدأ؟ وإلى أي مدى ستكون الندوب عميقة؟

التوقيت والمحفزات

 

يُعد وصول تخصيب اليورانيوم في إيران إلى نسبة 90%، كما تكهنت أجهزة الاستخبارات، إجراءً لمنع تغيير النظام، وهو ما قد يؤدي إلى صراع عسكري في عام 2026. كل المؤشرات حاضرة: اللقاء الذي جمع بين الرئيس ترامب ونتنياهو في 29 ديسمبر 2025 بمنتجع “مار آلاغو”، والذي هدد خلاله ترامب “بضرب إيران بقوة” إذا أعادت بناء برنامجها للصواريخ الباليستية أو برنامجها النووي. كما تشير تدريبات الدفاع الجوي والصاروخي التي أجراها الحرس الثوري الإيراني في 4 يناير في طهران وشيراز إلى تزايد القلق الإيراني من الهجمات الإسرائيلية.

تصبح الضربة أكثر احتمالاً إذا استنتج نتنياهو وترامب أن إيران قد تجاوزت الخط الأحمر النووي، أو إذا اكتسب توسع وتقدم برنامج الصواريخ قوة وسرعة لا يمكن وقفهما. ويرى المحللون الجيوسياسيون أن التقدم النووي الإيراني هو نقطة الاشتعال الرئيسية؛ وتحديداً بناء عدد كبير من أجهزة الطرد المركزي المتطورة والتخصيب بمستوى الأسلحة، وهما المحفزان الأكثر احتمالاً لصراع مستقبلي.

 

الحسابات الانتخابية لنتنياهو

 

تلوح الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر 2026 في الأفق، ولا يملك ائتلاف نتنياهو الحاكم سوى 51-57 مقعداً، وهو أقل من أغلبية الـ 61 مقعداً المطلوبة في الكنيست لتشكيل الحكومة. ووفقاً للخبير في شؤون الشرق الأوسط “تسفي برئيل”، فإن التهديد الإيراني “يخدم نتنياهو سياسياً” لأنه يردع الاحتجاجات ضد الحكومة من خلال وصمها بأنها تهديد للأمن الإسرائيلي.

ومع ذلك، فإن اليأس الانتخابي سلاح ذو حدين؛ فالفشل في العملية قد يعني نهاية نتنياهو، بينما قد تنقذه عملية ناجحة تضعف إيران دون استدراج رد انتقامي كارثي من النسيان السياسي. ويعتقد الخبراء أن هذا السيناريو يجعل الحرب أكثر احتمالاً، خاصة وأن نتنياهو يقع تحت ضغط الإخفاقات الاستخباراتية في 7 أكتوبر وتهم الفساد.

قدرة إيران على الرد

 

رغم تكبدها خسائر فادحة جراء القصف الأمريكي والإسرائيلي المستمر، لا تزال قدرة إيران على الرد قوية. فترسانتها لا تزال تضم قرابة 2000 صاروخ باليستي ثقيل، وهو عامل حاسم في المشهد الأمني المتغير في المنطقة. وتقول “مورا ديتش”، الخبيرة في المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي، إن إيران تستخدم بشكل متزايد صواريخ باليستية متطورة مزودة برؤوس حربية متعددة أو شرك تضليلية، يمكنها إغراق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية.

ويصرح “سينا طوسي”، الخبير في مركز السياسة الدولية: “يجب على إيران أن تجعل الثمن باهظاً جداً لإسرائيل ليكون بمثابة رادع، وإلا فإنها ستتعرض للهجوم كل ستة أشهر”. فعلى سبيل المثال، كلفت حرب يونيو إسرائيل ما يقدر بنحو ستة مليارات دولار، وتخطط إيران لجعل التكلفة أكبر في المرة القادمة. ويقول “رافائيل كوهين”، الخبير في مؤسسة راند: “أي جولة صراع جديدة محتملة ستكون جوية إلى حد كبير، لكنها ستكون أكثر كثافة من يونيو، وستحاول إسرائيل تعطيل برامج إيران بشكل أكبر”.الأهداف الاستراتيجية: الإضعاف أم الإطاحة؟

يرى الخبراء العسكريون أن تغيير النظام هدف عالي المخاطر وليس هدفاً قابلاً للتنفيذ. وفي المقابل، تتمثل الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل في إضعاف العمليات الخارجية للحرس الثوري، وتدمير المنشآت النووية المعاد بناؤها، وتكثيف التصورات الداخلية لدى النخبة حول عدم قدرة النظام على البقاء.

ومع ذلك، فإن عدم اليقين يعني أيضاً المخاطرة. ويحذر “آفي ملاميد”، المسؤول السابق في الاستخبارات الإسرائيلية، من أن هذا الوضع يزيد من خطر سوء التقدير، حيث تعتقد إيران أنها تستطيع الصمود أمام الضغوط غير المسبوقة والمضي قدماً بعد حرب يونيو. إن مرونة إيران قد تجعلها في الواقع أكثر عرضة للمخاطرة في عام 2026.

نقاط الضعف الدفاعية لإسرائيل

 

سلطت حرب يونيو الضوء على عدة نقاط ضعف لدى إسرائيل؛ حيث أطلقت إيران أكثر من 550 صاروخاً باليستياً و1000 طائرة مسيرة انتحارية على مراكز مدنية ومستشفيات ومنشآت عسكرية إسرائيلية. ورغم أن منظومات “القبة الحديدية” و”أرو” (السهم) كانت فعالة جزئياً، إلا أن هجمات الإغراق تشكل تهديداً حقيقياً. ويقول “ديفيد رول” من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: “قد يكون هدف إيران هو تطوير ترسانة صاروخية ضخمة ومنتشرة لدرجة لا تستطيع معها إسرائيل ولا الولايات المتحدة تدمير التهديد الصاروخي الإيراني قبل أن ترد إيران بتأثير مدمر”.

في الجولة القادمة، لن تقاتل إيران وحدها. فإعلان الأمين العام لحزب الله “نعيم قاسم” الأخير عن “حرب للجميع” سيُفهم في تل أبيب على الأرجح كإشارة للتعبئة الشاملة. وبالنسبة لحزب الله، تُعتبر هذه المشاركة فرصة أخيرة للانتقام واستعادة مكانته بعد حسابات عسكرية خاطئة سابقة. وبالإضافة إلى إيران وحزب الله، يظل هناك عدم يقين مستمر حول مدى استغلال الحوثيين في اليمن لهذه اللحظة للاندماج في المواجهة الأوسع.

عامل روسيا والصين

 

من غير المرجح أن تهب الصين أو روسيا لإنقاذ إيران. فقد دعت الصين إلى ضبط النفس وتواصل الاعتماد على إمدادات النفط الإيرانية، لكن القيادة الصينية من غير المرجح أن تلتزم بموارد عسكرية في أزمة ما، وفقاً لنهجها العام. أما روسيا فهي منشغلة بالأزمة الأوكرانية وليست في وضع يسمح لها بتقديم موارد عسكرية لإيران حتى لو أرادت ذلك.

ومع ذلك، فإن القوتين تعارضان الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، وستقدمان لإيران دعماً دبلوماسياً في الأمم المتحدة، ودعماً سيبرانياً واستخباراتياً، بما يكفي لجعل العمليات الأمريكية صعبة دون الدخول في صراع شامل.

سيناريو الحرب غير الحاسمة

 

ربما يكون التهديد الأكبر هو نشوب حرب غير حاسمة. ماذا لو أدت الضربات إلى إتلاف القدرات النووية الإيرانية فقط دون تدميرها؟ يجب على صناع القرار مراعاة عواقب الفجوة الاستخباراتية: ماذا يحدث إذا تجاوز التأثير الفعلي لضربة إيرانية التوقعات الموضوعة؟ ويقول “آلان آير” من معهد الشرق الأوسط إن القليل جداً من الأمور مؤكد في الشرق الأوسط، وإن عدم الاستقرار الحالي في المنطقة في أعقاب وقف إطلاق النار الهش في غزة والهجمات الإسرائيلية ضد لبنان وسوريا يجعل النتيجة غير متوقعة للغاية.

إن سيناريو الحرب غير الحاسمة قد يؤدي إلى أسوأ العوالم الممكنة: تسريع إيران لتطويرها النووي بسرية أكبر من أي وقت مضى، وتفاقم عدم الاستقرار في المنطقة، واستعداد الجانبين للجولة الثالثة. ربما لا نشهد نهاية الحرب الإسرائيلية الإيرانية، بل مجرد تطور الصراع إلى شكل مزمن ومدمر.

العالم ينتظر.. الصواريخ جاهزة.. وهامش سوء التقدير لم يكن يوماً أضيق مما هو عليه الآن.

نقلا عن رأي اليوم

جمعة, 30/01/2026 - 20:44