لا يُطرح الجنوب اللبناني اليوم كساحة للحرب بل كمشكلة في أسلوب إدارته بعد السلاح. فبدل السؤال عن موازين القوة والردع، يجري التعامل معه بوصفه عبئًا أمنيًا إقليمياً ينبغي تخفيف كلفته، لا جبهة ينبغي حسمها. لذلك لا تظهر المقاربات المطروحة في صيغة اتفاقات كبرى أو خرائط سياسية معلنة، بل كسلسلة إجراءات متفرقة، لكل واحدة منها تبريرها الإنساني أو الاقتصادي أو الأمني، لكنها حين تُجمع ترسم واقعًا مختلفًا بالكامل. فالخطر لا يكمن في الاحتلال، بل في تحويل الجنوب إلى مساحة مدارة بلا سيادة.
وفي خطوة مشابهة من حيث المنطق الاستراتيجي ينظر العدو الإسرائيلي إلى الجنوب اللبناني تماماً كما ترى الولايات المتحدة في غرينلاند. التي تعتبرها واشنطن أداة للسيطرة على القطب الشمالي والتأثير على التوازن الجيوسياسي، مع استثمار الموارد الطبيعية وإمكان استخدامها كقاعدة استراتيجية في أي صراع دولي. كذلك الجنوب بالنسبة للإسرائيلي يعتبره منطقة حساسة ينبغي تحقيق التفوق الأمني والاقتصادي فيها، عبر تفكيك أي قدرة ردعية محتملة، وذلك لضمان أمنه ومنع أي تهديد محتمل، فضلاً عن أطماعه الأقتصادية التي تشمل السيطرة على الموارد البحرية.
في هذا الإطار، لا يتم تقديم قرار نزع السلاح كخيار سياسي، بل كضرورة لحماية المدنيين بعد أن كان هذا السلاح لعقدين كاملين قوة ردع وحماية لهم من الاعتداءات الإسرائيلية. بالتالي لا تُطرح الترتيبات الأمنية كتنسيق مع العدو، بل كآليات “منع احتكاك”. كما لا يُسوَّق الإعمار كحق طبيعي، بل كفرصة مشروطة بالهدوء. هذا المنطق جديد على الجنوب، لم يألفه بعد حرب 2006، فالفرق كبير بين الأمس واليوم في منطق العدو: “إنّ الحزب قد هُزم وعليه إلقاء السلاح”.
هذا بالضبط ما حصل في الضفة الغربية، التي تقدّم النموذج الأكثر اكتمالًا لما يعنيه استبدال منطق الصراع بمنطق الإدارة. هناك، لم تُهزم المقاومة بضربة واحدة أيضاً، ولم يُفرض الاحتلال باتفاق سلام نهائي. ما جرى كان أطول نفسًا وأقل صخبًا: تنسيق أمني قُدّم في اتفاق أوسلو كمرحلة انتقالية لبناء الثقة، وإذا به يستمر لأكثر من ثلاثة عقود، في ظل غياب الدولة الفلسطينية وتوسّع الاستيطان. بعد أن بات مئات آلاف الفلسطينيين يعتمدون في معيشتهم اليومية على “الاستقرار الأمني” عبر ربطهم بتصاريح اقتصادية. أما أجهزة الأمن المحلية مُوّلت دوليًا وأُنيط بها منع الانفجار لا إنهاء الاحتلال. ومع الوقت، انتقلت المعركة من مواجهة مع إسرائيل إلى صراع داخلي حول “ديمومة الاستقرار”.
من هنا يرى العدو الإسرائيلي أن نموذج الضفة الغربية مناسبًا للجنوب اللبناني بعد تسليم حزب الله للسلاح. لأن تجارب الاحتلال السابقة في الثمانينيات وإنشاء ميليشيات بديلة عن الدولة اللبنانية، مثل ميليشيا لحد، فشل في تحقيق استقرار طويل الأمد. بالتالي أثبتت هذه التجارب أن الاعتماد على سلطة بديلة عن الدولة لا يؤدي إلى استقرار حقيقي، بل إلى استغلال الوضع الأمني لمصلحة أعمال المقاومة، وهذا ما يجعل إعادة استخدام نموذج الضفة الغربية في الجنوب أمرًا بالع الخطورة، واضعاً كل الجنوب فوق برميل قابل للإنفجار في أي لحظة.
هذا المنطق المُفخّخ يُراد اليوم استنساخه في الجنوب اللبناني، مع فارق أن: الجنوب ليس ضفة غربية ولا أرضًا محتلة، ومع ذلك يُعرض عليه نموذج صُمّم لإدارة شعب تحت الاحتلال. حيث يُطرح إنشاء منطقة اقتصادية محددة على امتداد الشريط الحدودي وفي عمق قد يصل حتى 10 كلم تخضع لإدارة أمنية لبنانية-إسرائيلية مشتركة بإشراف أمريكي، أما الامتداد البحري للثروات النفطية والغازية فقد يصل حتى 12–22 ميلًا بحريًا وفق القوانين الدولية، وهي مناطق محط أطماع إسرائيلية منذ اكتشاف الثروة النفطية والغازية. كل هذا يترافق مع إعادة للإعمار مشروطة بالهدوء، وتجفيف تدريجي لأي قدرة عسكرية مستقلة، وترتيبات أمنية تقنية بصيغة دولية. تضمن مصالح العدو الإستراتيجية بحيث لا يكون غائبًا عن المسرح الجنوبي، فهو وإن لن يدخل المنطقة بزيّه العسكري، يكفي حضوره عبر السيطرة النارية غير المرئية: المراقبة الجوية، المسيّرات، التفوق الاستخباراتي، وحق التدخل الاستباقي عند أي خرق أمني.
في هذا المسار، لا تظهر الدولة اللبنانية بوصفها صاحبة مشروع، بل كإطار للتمرير. هي لا تملك قرار مواجهة ولا القدرة على فرض سيادة كاملة، لذلك يُرجّح أن يكون موقفها موقف القبول المشروط والإنكار السياسي في آن واحد: لا اتفاق أمني معلن، بل “تنفيذ قرارات دولية”، ولا تنازل سيادي، بل “ترتيبات مؤقتة لحماية المدنيين. أما الجيش اللبناني، فسيُزجّ به في تجربة هي الأكثر حساسية. الدور المتوقع له ليس القتال، بل الانتشار والضبط ومنع الاحتكاك. سيُطلب منه أن يكون القوة المسلحة الوحيدة في الجنوب، وأن يضبط أي وجود مسلح غيره، لكن من دون غطاء سيادي كامل أو قدرة ردع حقيقية. ويزداد الخطر إذا ما طُبّق عمليًا منع السلاح المتوسط والثقيل حتى نهر الأولي، بما في ذلك على الجيش نفسه، فتتحوّل القوة الدفاعية الوطنية إلى قوة شرطة موسّعة.
في هذا السياق، قد يُطرح إعلان حالة الطوارئ كأداة ضغط مركزية لفرض ترتيبات أمنية جنوب الأوّلي. نظريًا، يمنح هذا الإجراء الجيش دورًا مباشرًا في ضبط الحدود، ومصادرة السلاح شمال نهر الليطاني، واحتواء الفوضى داخل المخيمات الفلسطينية. لكنه عمليًا يفتح الباب أمام مخاطر تصعيد سياسي وشعبي، على غرار ما كان يجري جنوب نهر الليطاني بين السكان وقوات الأمم المتحدة، على سبيل المثال لا الحصر، ولا سيما إذا فُسِّر كإجراء موجَّه ضد الداخل لا ضد العدو.
هنا يبرز السؤال التاريخي: إذا كانت الطوارئ قد أُعلنت عام 1953 في مواجهة إسرائيل، ففي مواجهة من ستُعلَن اليوم؟
أما في الخلفية، فتؤدي الولايات المتحدة دور الضامن لهذا النموذج، عبر ربط الإعمار والدعم بالهدوء الأمني، بما يحوّل الاستقرار من نتيجة للسيادة إلى شرطٍ مُسبقٍ لها
في قلب هذا كله يقف حزب الله، بوصفه العقدة الأساسية. المطلوب ليس إسقاطه عسكريًا، بل فكّ الارتباط بينه ووظيفته الجنوبية. بحيث يبقى حاضرًا سياسيًا واجتماعيًا، لكن من دون قدرة ردعية فاعلة على الحدود، كما حصل مع حركة فتح في الضفة وحماس قبل 2007. قد تُعاد إعمار القرى، وقد يعود السكان، وقد تبدو الحياة طبيعية، لكنها ستكون مشروطة بسقف منخفض من الحركة والقرار. أي خروج عن هذا السقف سيُصوَّر كتهديد للناس قبل أن يكون لإسرائيل، كما صُوّر أي تصعيد في الضفة الغربية.
في المحصّلة، يقف الجنوب اللبناني على حافة الضفة الغربية، لا كاحتمالٍ نظري بل كمسارٍ يُستكمل بهدوء. ليس أمامه خيار حرب ولا حتى سلام، بل خيار أشدّ قسوة: أن يُدار بدل أن يُحسَم. ما يُحضَّر اليوم ليس احتلالًا صريحًا يُقاوَم، بل احتلالًا مُقنّعًا يُطبَّع معه؛ ليس تسوية تُنهي الصراع، بل منظومة طويلة الأمد تُفرغ السيادة من معناها، وتستبدل الردع بالضبط، والقرار الوطني بالخضوع لإرادة الاحتلال. هي منظومة استسلام بلا دبابات ولا أعلام، تُسوَّق باسم الإعمار والاستقرار، لكنها تُنتج كيانًا هشًّا معلّقًا على صاعق الانفجار الدائم. وعند الانفجار، لن يكون السؤال كيف ولماذا هُزمت المقاومة، ولا متى خسر الجنوب معركته، بل سؤال واحد أخطر: كيف قَبِلت السلطة أن تُسقِط الجنوب من معادلة الصراع، وتحويله من جبهة مواجهة إلى مساحة مُدارة بلا سيادة، ومن قضية وطنية إلى ملف أمني مؤجّل، أُدرج بقرار سياسي داخل المنطقة الرمادية الإسرائيلية بين “الاحتلال واللااحتلال”؟
نقلا عن رأي اليوم











