لم ينسَ أحدٌ معمّر القذّافي ـ «مجنون ليبيا»، ليس بمعنى جنون الغرام بين قيس وليلى، بل بالمعنى الطبّي للتعبير. وكيف بنا ننسى صرعات القذّافي؟
طبعاً، لا زال الشعب الليبي يعاني من آثارها، بدءاً بالحال المُزرية التي وصلت البلاد إليها إثر أكثر من أربعين سنة من حكمه، والتي لا زالت تطأ بثقلها خمس عشرة سنة بعد الإطاحة به. لكنّ صرعات القذّافي سوف تتحول في المستقبل، بلا شك، إلى مادة تلهم تأليف الروايات والمسرحيات الفكاهية بعد أن تضمحل المعاناة وتبقى الطرافة القصوى.
كانت لدى «العقيد» قدرة فذّة على مسخ أفكار جدية بتحويلها إلى أسباب للمرح، على غرار تبنيه تسمية «إسراطين» لمشروع «الدولة الواحدة» التي يتعايش فيها الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي. وكذلك عندما خاب أمله في توحيد الأمة العربية تحت سلطانه، فانتقل إلى توحيد القارة الأفريقية جامعاً حشداً من ملوك وشيوخ قبائل أفريقية في بنغازي، كي يمنحوه لقب «ملك ملوك أفريقيا». كل ذلك بالطبع على نفقة الشعب الليبي الذي هدر القذّافي قسماً كبيراً من موارده خلال عقود حكمه، إنفاقاً على مسالك هي أقرب إلى النزوات منها إلى السياسات. هذا الشعب الليبي الذي أعرب القذّافي عن احتقاره له بصورة لم يسبقه عليها أحد، إذ اشتهر بفرضه على التلفزيون الليبي إيقاف برامجه لأجل عرض صورة نعل حذاء على الشاشات طيلة ساعات، تعبيراً عن امتعاضه.
لكن، لِما ذكر «العقيد» اليوم؟ ليس لسبب يتعلق به أو بالوضع الليبي، في الحقيقة، بل لسبب يتعلق بالوضعين العربي والعالمي. فلنبدأ بالوضع العربي: طالما ظننا أن «العقيد» تعبيرٌ فاقعٌ عن حالتنا الإقليمية، يعكس خبل النظام العربي برمتّه وفرادة هذا الخبل في عالم معاصر لم يشهد مثيلاً له، سوى في جمهورية أفريقيا الوسطى في عهد جان بيديل بوكاسا، الذي عيّن نفسه إمبراطوراً، وأوغندا في عهد عيدي أمين، الذي كان لقبه الرسمي الكامل «فخامة الرئيس الأبدي المشير الحاج الدكتور عيدي أمين دادا، VC، DSO، MC [ألقاب عسكرية بريطانية]، سيد جميع وحوش الأرض وأسماك البحار وفاتح الإمبراطورية البريطانية في إفريقيا بشكل عام وأوغندا بشكلٍ خاص». والحال أن عيدي أمين لجأ إلى ليبيا إثر الإطاحة به في عام 1979، قبل أن ينتقل منها إلى المملكة السعودية.
بيد أن وضع العالم اليوم يطمئننا إلى أن منطقتنا العربية، والبلدان الأفريقية الشبيهة بحالها، ليست مسرحاً فريداً لجنونٍ كان القذّافي ذروة التعبير عنه. مهلاً، لا تحسبنّ أن المقصود هنا هو أن منطقتنا ليست مسرحاً للجنون، بل فقط أنها ليست فريدة في هذا الشأن. وقد غدا العالم أجمع مسرحاً لخبل رجل انفلت جنونه من كل عقال، بعدما وصل للمرة الثانية إلى رئاسة أعظم قوة عالمية. عنينا بالطبع دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. وإذ يمكننا أن نعزّي أنفسنا بأن الشعب ليس هو من حمل القذّافي إلى السلطة، بل استولى هو عليها بانقلاب عسكري، فإن غالبية الشعب الأمريكي هي التي أوصلت مجنون مارا لاغو إلى البيت الأبيض مرة ثانية، على الرغم من رفضه قرار الشعب الديمقراطي في عدم التجديد له ومن دعمه لمحاولة انقلابية فاشلة قبل خمس سنوات، هي الأولى في تاريخ الولايات المتحدة.
وكل يوم يمرّ يزداد معه خبل الرئيس الأمريكي مثلما تفاقم خبل «العقيد» مع الزمن، وهما يضفيان على الحكمة الشهيرة القائلة إن «السلطة تُفسد» معنىً جديداً يحيل إلى فساد العقل، فضلاً عن فساد الأخلاق. وحيث طمح القذّافي إلى تتويجه ملكاً لملوك أفريقيا، ها أن ترامب يطمح إلى تعيين نفسه رئيساً لما أسماه «مجلس السلام». هذا المجلس الذي بات ترامب يصوّره الآن كبديل عن منظمة الأمم المتحدة التي لا يكنّ لها سوى الازدراء، سيكون تحت رئاسته مدى الحياة (إذ لا حدود لولايته في دستور المجلس) ويتألف من رؤساء دول يعيّنهم هو وحده، على أن يستطيعوا شراء عضوية دائمة لهم في المجلس بمليار دولار، شريطة موافقة ترامب بالطبع.
أمام هذا المستوى من جنون العظمة يبدو جنون القذّافي بسيطاً. والأخطر بعد هو أن جنون «العقيد» لم يسايره سوى بعض ملوك وشيوخ القبائل الأفريقية ومن ارتزق منه، بينما تساير جملة واسعة من حكام العالم جنونَ ترامب من باب المصلحة الدنيئة أو الجبن المخزي. هؤلاء لن يرحمهم التاريخ، ليس بعد عقود وقرون، بل بعد سنوات قليلة على الأرجح، إن لم يكن شهوراً، عندما يستفيق الشعب الأمريكي من حالة التخدير والخداع التي بلغها في انتخاب أغلبيته لترامب مرة ثانية (كاللدغ من جحر واحد مرتين) وينتهي ترامب مدرجاً على قائمة الحكام المجانين التاريخية، لاحقاً بالقذّافي وعيدي أمين وبوكاسا، وقبلهم أمثال الخليفة الفاطمي «الحاكم بأمر الله» والإمبراطور الروماني كاليغولا.
نقلا عن القدس العربي

.jpeg)










