فوضى النظام الدولي

عمرو حمزاوي

يشهد النظام الدولي في السنوات الأخيرة حالة متفاقمة من الفوضى السياسية والاستراتيجية، لا يمكن فهمها فقط بوصفها انتقالافي موازين القوة أو تعبيرًا عن صعود قوى كبرى وتراجع أخرى، بل باعتبارها انهيارًا تدريجيًا لمنظومة القواعد التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي قامت ــ نظريًا على الأقل ــ على احترام القانون الدولي، وحظر استخدام القوة إلا في أضيق الحدود، وتنظيم التنافس بين الدول الكبرى بما يقلل من مخاطر الانزلاق إلى حروب شاملة. اليوم، لم تعد هذه القواعد تشكل مرجعية حقيقية لسلوك القوى الكبرى، بل باتت تُستدعى انتقائيًا حين تخدم المصالح، وتُهمَل أو تُنتهك حين تعيقها، الأمر الذي يضع السلام والأمن العالميين أمام مخاطر غير مسبوقة.
تكمن خطورة هذه الفوضى في أن مصدرها ليس دولاهامشية أو فاعلين من خارج النظام الدولي، بل القوى الكبرى نفسها، التي يفترض أنها الضامنة الأخيرة للاستقرار الدولي. حين تتحول هذه القوى إلى أطراف تمارس أدوارًا منفلتة من القيود القانونية والمؤسسية، فإن الرسالة التي تُبَث إلى بقية العالم تكون واضحة: القانون الدولي لم يعد مُلزِمًا، والمؤسسات متعددة الأطراف لم تعد قادرة على ضبط السلوك، والقوة وحدها هي معيار الفعل والتأثير. في مثل هذا السياق، يصبح من الصعب الحديث عن نظام دولي بقدر ما يصبح الحديث أقرب إلى ساحة مفتوحة للتنافس الصدامي.
الفعل الروسي يقدم مثالاصارخًا على هذا المسار. فالتدخل العسكري الواسع في أوكرانيا لم يكن مجرد نزاع إقليمي أو تعبير عن هواجس أمنية روسية، بل كان تحديًا مباشرًا لمبادئ أساسية في القانون الدولي، وعلى رأسها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم تغيير الحدود بالقوة. الأخطر من ذلك أن موسكو لم تكتفِ بالفعل العسكري، بل سعت إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة نفسها، معتبرة أن القوة العسكرية والوقائع الميدانية تسبق القانون، وأن مصالح القوى الكبرى تملك شرعية ذاتية تعلو على الالتزامات الدولية. هذا المنطق لا يهدد أوروبا وحدها، بل يفتح الباب أمام تعميم نموذج يسمح لأي قوة إقليمية أو كبرى بتبرير استخدام القوة خارج الأطر القانونية.
غير أن تحميل روسيا وحدها مسؤولية تقويض النظام الدولي سيكون قراءة مبتورة. فالولايات المتحدة، بوصفها القوة المهيمنة لعقود طويلة، لعبت دورًا مركزيًا في إضعاف مصداقية القانون الدولي عبر سياسات التدخل العسكري الأحادي، وتجاوز مجلس الأمن، وتوظيف المؤسسات الدولية أداة لخدمة مصالحها الاستراتيجية. من العراق إلى أفغانستان، ومن التوسع في استخدام العقوبات الاقتصادية ذات الطابع الجماعي إلى توسيع مفهوم الدفاع عن النفس ليشمل الضربات الاستباقية، أسهمت واشنطن في ترسيخ سابقة مفادها أن الالتزام بالقانون الدولي مسألة اختيارية للقوي، لا قاعدة عامة ملزمة للجميع. هذا الإرث الثقيل لا يزال يلقي بظلاله على النظام الدولي، حتى في لحظات تحاول فيها الولايات المتحدة استعادة خطاب الدفاع عن النظام القائم على القواعد.

أما الصين، فهي تمثل نمطًا مختلفًا من التحدي، أقل صخبًا عسكريًا في بعض الساحات، لكنه لا يقل خطورة على المدى المتوسط والطويل. بكين لا تسعى إلى هدم النظام الدولي دفعة واحدة، بل إلى إعادة تشكيله تدريجيًا بما يتوافق مع مصالحها وتصوراتها للسيادة والتنمية والأمن. يظهر ذلك بوضوح في بحر الصين الجنوبي، حيث فرضت الصين أمرًا واقعًا بالقوة، متجاهلة أحكام التحكيم الدولي، وفي مقاربتها لمسألة تايوان، التي تُقدَّم باعتبارها شأنًا داخليًا يعلو على أي التزامات أو تفاهمات دولية. في الوقت ذاته، تطرح الصين نفسها كمدافع عن التعددية، لكنها تفضل تعددية مرنة، تُفرغ القواعد من مضمونها الملزم، وتمنح القوى الكبرى هامشًا واسعًا للمناورة.
التقاء هذه الأدوار المنفلتة ــ الأمريكية والروسية والصينية ــ هو ما يجعل اللحظة الراهنة شديدة الخطورة. فالنظام الدولي لم يعد يعاني فقط من صراع بين قوى صاعدة وقوى قائمة، بل من غياب شبه كامل للتوافق على معنى القواعد وحدودها وآليات إنفاذها. مجلس الأمن مشلول بفعل تضارب المصالح وحق النقض، والمؤسسات الدولية تفقد تدريجيًا قدرتها على الردع أو الوساطة، فيما تتسع الفجوة بين الخطاب المعلن حول السلام والأمن، والممارسة الفعلية على الأرض.
النتيجة المباشرة لهذه الفوضى هي تصاعد النزاعات الإقليمية، وتزايد الاعتماد على القوة العسكرية، وعودة منطق مناطق النفوذ، بما يحمله من تهميش للدول الصغيرة والمتوسطة، التي تجد نفسها مضطرة للاصطفاف أو المساومة أو البحث عن مظلات أمنية خارج إطار الشرعية الدولية. أما النتيجة الأبعد، فهي تآكل فكرة الأمن الجماعي ذاتها، وتحول العالم إلى فضاء أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر استعدادًا للانفجار عند أول اختبار حقيقي للتوازنات.
لا يعني هذا أن العالم محكوم حتميًا بالانزلاق إلى حرب كبرى، لكنه يعني أن شروط الاستقرار التي سادت ــ ولو نسبيًا ــ في العقود الماضية لم تعد قائمة. استعادة قدر من النظام في العلاقات الدولية تتطلب أولااعترافًا صريحًا من القوى الكبرى بمسؤوليتها عن الفوضى الراهنة، واستعدادًا فعليًا لإعادة إخضاع سلوكها لقواعد القانون الدولي، لا بوصفه أداة خطابية، بل إطارًا ملزمًا. من دون ذلك، سيظل الحديث عن السلام والأمن العالميين مجرد شعار، في عالم تحكمه القوة، وتغيب عنه القواعد، وتتراجع فيه فرص الاستقرار لصالح منطق الصراع الدائم.
وتتعمق خطورة فوضى العلاقات الدولية حين لا تقتصر آثارها على النزاعات المباشرة بين القوى الكبرى أو في جوارها الجغرافي، بل تمتد إلى بنية النظام الدولي ذاته، فتُنتج أنماطًا جديدة من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها أو التنبؤ بمآلاتها. فغياب المرجعية القانونية المتفق عليها لا يفتح فقط الباب أمام استخدام القوة، بل يشجع أيضًا على توسيع أدوات الصراع لتشمل الحروب الاقتصادية، والتلاعب بسلاسل الإمداد، وتسييس التكنولوجيا، واستخدام الفضاء السيبراني كساحة مواجهة مفتوحة لا تحكمها قواعد واضحة. في هذا السياق، تتحول المنافسة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين إلى صراع شامل متعدد الأبعاد، تتداخل فيه السياسة بالأمن والاقتصاد، وتغيب عنه الخطوط الحمراء المتعارف عليها.
كما أن استمرار هذا المسار يضعف الثقة المتبادلة بين الدول، ويقوض إمكانات التوصل إلى تسويات تفاوضية حتى في القضايا التي تتطلب تعاونًا دوليًا ملحًا، مثل الحد من انتشار الأسلحة النووية، أو مواجهة التغير المناخي، أو إدارة الأزمات الصحية العالمية. حين ترى الدول أن القوى الكبرى نفسها لا تلتزم بتعهداتها ولا تحترم قواعد المؤسسات الدولية، يصبح الالتزام الجماعي عبئًا لا حافزًا، وتتحول الاتفاقات الدولية إلى ترتيبات هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار سياسي أو أمني.
الأخطر من ذلك أن الفوضى الراهنة تعيد الاعتبار لفكرة الردع العاري القائم على القوة العسكرية وحدها، بما يحمله ذلك من مخاطر سوء التقدير والتصعيد غير المقصود. في عالم تضعف فيه القواعد وتختفي آليات الضبط، قد تتحول الأزمات المحدودة إلى مواجهات واسعة نتيجة حسابات خاطئة أو رسائل ملتبسة بين القوى الكبرى. هذا الاحتمال، وإن بدا نظريًا في لحظات الهدوء النسبي، يظل كامنًا في بنية النظام الدولي الحالي، ويزداد مع كل سابقة جديدة لانتهاك القانون الدولي دون محاسبة.
من هنا، لا يمكن فصل أزمة السلام والأمن العالميين عن أزمة الشرعية التي تعاني منها القيادة الدولية. فالقوى الكبرى، بدلامن أن تكون ركيزة للاستقرار، أصبحت جزءًا من المشكلة، سواء عبر الفعل المباشر أو عبر العجز عن التوافق على قواعد مشتركة لإدارة التنافس. ومع استمرار هذا الوضع، يظل النظام الدولي عرضة لمزيد من التفكك، ما لم تُستعاد فكرة أن القوة، مهما بلغت، لا يمكن أن تكون بديلادائمًا عن القانون، ولا أساسًا صالحًا لنظام دولي قابل للحياة والاستدامة.

نقلا عن القدس العربي

ثلاثاء, 13/01/2026 - 16:04