فنزويلا أو لعنة النفط نهاية الميثاق الأممي

د. ادريس هاني

العالم ومنه عالم السياسة غير نهائي. وعليه، لا يمكن مقاربته من خلال محفوظات علم السياسي كما لو أننا إزاء اختبار لتاريخ الأفكار السياسية. لقد كان العالم منذ تأسيس الهيئة الأممية إزا ء مسرحية نظام عالمي مزركش بميثاق أممي غليظ لكنه ملغوم برهانات لعبة الأمم. نظام انبثق من رحم عقد دولي أعمق من ميثاق الأمم المتحدة نفسه، لنسميه الدستور العميق لنظام دولي غير متكافيء بقوة العرف الدولي الموروث عن انتصارات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.  كانت مخرجات الانتصار وثوابته: تكريس هيمنة عالم الشمال على الجنوب تنمويا ومن ثمة سياسيا، عبر آلية احتكار الفيتو سياسيا ونظام بروتين وودز اقتصاديا. لا شيء هنا جديد، فالنظام الدولي ولد غير عادل منذ البداية، بينما المواثيق الدولية غدت ميراثا نظريا رمزيا فاقدا لآليات التنفيذ.

التطورات التي حصلت خلال الفترة الممتدة من سقوط الاتحاد السوفياتي حتى اليوم،  قوضت الاعتبارات الأساسية للحرب الباردة. لقد تراجعت أوربا فيما ظل هم روسيا هو استعادة دور عالمي لم يكتمل بعد ولم يبلغ قواعد اشتباك عهد الحرب الباردة، هذا بينما الصين تبحث عن مستوى من التطور لا زال لم يكتمل، فضلا عن أنها تتبني فلسفة مختلفة عن القوة. في هذه الأثناء ناورت واشنطن لكي تحافظ على قوتها رغم التدهور الذي عرفه الاقتصاد الأمريكي وتراجع القدرة على الإنفاق على حروب السيطرة.

ومنذ مبدأ مونرو في 1823م أصبحت  أمريكا اللاتينية خالصة للرقابة والوصاية الأمريكية. شكلت أمريكا اللاتينية بعد ذلك عقدة جيوستراتيجية في ذروة الحرب الباردة، كانت على وشك إشعال حرب نووية بين القطبين آنذاك، على إثر أزمة الكاريبي بين كينيدي وخروتشوف، وهو ما يعطينا فكرة اليوم عن أن غزو فنزويلا هو الصورة المؤجلة عن غزو كوبا قبل اندلاع أزمة الصواريخ الكوبية سنة 1962.

 ما الذي يجري اليوم؟

 

لازالت فكرة العدالة الأمريكية حية في الفلسفة السياسية الأمريكية القائمة على نظرية الاعتراف. وهناك ما يؤكد على أن العالم يتجه إلى ما بعد الأمم المتحدة التي فقدت وظيفتها في رعاية السلم العالمي، ثمة ما يؤكد أن فكرة مجلس عالمي تقوده واشنطن هو البديل. ويبدو أن الحديث عن قانون دولي هو بالفعل طقس من طقوس التفاؤلية لدى أمم غالبا ما تتجاهل وضعيتها في شروط عالم متغير فاقد للعدالة الدولية. إن السياسة والقوة هما الحاكم الفعلي في معادلة الصراع العالمي.

 فنزويلا مثالا

كان بالإمكان إعلان حرب كلاسيكية على فنزويلا، فنكون أمام أزمة جديدة، ويكون الوضع طبيعيا في شروط إمبريالية هجينة، لكن ما جرى اليوم هو حرب إذلال استعمل فيها مصطلح إيقاف رئيس دولة يفترض أنها ذات سياده، ثم اقتياده للمحاكمة وتطبيق ما سمي بالعدالة الأمريكية.  هذا يعني نهاية زمن وسلطة الأمم المتحدة وإعلان الانقلاب على النظام الدولي. ترامب الذي يعبر عن البرنامج الأمريكي بوضوح، يؤكد على أن أمريكا اللاتينية هي بالفعل وستبقى الحديقة الخلفية لواشنطن. في تلك الأثناء لم تكن فنزويلا تملك عناصر القوة الكافية لكبح هذا التدخل، وذلك للأسباب التالية:

 

– طبيعة الموقع الجغرافي الذي جعلها في وضعية جغرافية عارية أمام التدخل الأمريكي.

– انشغال روسيا بتداعيات حرب الاستنزاف الأوكرانية

 – بروز جيل جديد من الحروب: الحرب السبرانية.

 – لا يكمن الفارق الوحيد في الفجوة السيبرانية فحسب، بل إن البنية الإجتماعية والاقتصادية الفنزويلية باتت هشة، لأسباب موضوعية تتعلق بالحصار، ولأسباب ذاتية حيث منذ اكتشاف النفط في فنزويلا عام 1914، وكاراكاس في وضعية اقتصاد ريعي قائم على واردات النفط فحسب. ما يعني أن المصير الاقتصادي الفنزويلي ظل مرتبطا بوضعية سعر برميل النفط. ومن هنا، وبخلاف الوضع الاقتصادي في إيران مثلا،  لم يحدث تنويع في الواردات، كما لم يتم استغلال فائض القيمة طيلة عهد الرخاء، في خلق اقتصاد متنوع، والعمل على تحقيق مستوى مقنع من الاكتفاء الذاتي.

– في مثل هذا الوضع تلعب الخيانة دورا كبيرا.

 الحرب على العالم

هل هو إعلان الحرب على العالم من خلال مسلسل التهديد بتكرار العملية؟ حتى الآن هذه هي بداية الشوط الثاني من اللعبة. قد يصبح مادورو ورطة، لأن تهديد الدول البوليفارية سيدفعها إلى إحياء تيارها الكلاسيكي. فالقارة هي جغرافيا لمناهضة الإمبريالية ومواجهة مخرجات مبدأ مونرو. اختطاف مودورو بداية لنهوض الكاريبي وإحياء البوليفارية.

لا يوجد مسوغ قانوني يمنح سلطة دولة الحق في محاكمة رئيس دولة في محكمتها الوطنية. مثل هذا سيفتح المجال أمام فوضى مفتوحة. هل يا ترى سيقبل المجتمع الدولي اختطاف روسيا للرئيس الأوكراني زيلينسكي،  أو  اختطاف بيجين للاي تشينغ ته رئيس تايوان؟ إن الميثاق الأممي الممضى لسان فرانسيسكو وصادق عليه الأعضاء بلا مواربة يقضي بمبدأ المساواة في السيادة بين جميع الأعضاء، كما ينص الميثاق تباعا على أن يفض أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية بشكل لا يعرض السلم والأمن والعدل الدولي للخطر. بل ينص الميثاق على منع الأعضاء من التهديد باستعمال القوة ضد أي دولة بما يخالف أهداف الأمم المتحدة.

 هل غزو فنزويلا رسالة؟

التحليل بالتمني أطلق الخيال بعيدا. هناك من ينتظر من الفاتح ترامب أن يواصل خطواته باتجاه إيران، قبل أن يفاجأ الرأي العام الدولي بانقلاب الصورة في الشرق الأوسط، واشتعال تخوم أخرى من النزاع.  واضح أن الرسالة التي وجهها ترامب لدول أخرى في الشرق الأوسط، تقوم على قياس مع الفارق، حيث ومنذ اكتشاف النفط والشرق الأوسط تزداد أهميته الجيوستراتيجية، إذ لم يعد مجرد جزء من الغلاف الخارجي للهارتلاند أو قلب العالم، بل بات بقوة النفط يشكل عصبون أساسي في دماغ العالم، ومدخل آخر من مداخل الصراع مع أوراسيا.  فبالنسبة لإيران مثلا، لا يمكن قياسها بفنزويلا، لأسباب نذكر منها على سبيل المثال:

– تقع ايراني في موقع يربطها بالشرق الأوسط كما تمتد لتلامس أوراسيا، في طوبوغرافيا متداخلة ومكتظة، فليس هناك تشابه بين الخليج الفارسي والدول المطلة على بحر الكاريبي.

– إيران متقدمة سيبرانية ولا يمكن هضمها خلال ساعات دون أن يكون هناك رد فعل قوي فضلا عن اعتزال المنطقة وضرب جميع  القواعد الأمريكية في المنطقة

– إيران لم تكتف بالتحدي والشعبوية، بل بنت ترسانة دفاعية وأعدت جيشا عقائديا كبيرا.

– إيران واصلت حركتها الديبلوماسية النشطة ونوعت في علاقاتها الدولية، وهي مدركة لطبيعة الحرب المركبة.

– خوض واشنطن لحرب خارج المجال، مهما بدا متفوقا تقنيا، سيواجه صعوبات وتهديدات كثيرة، لن يجعلها حربا خاطفة تحقق كل أهدافها ولن يجعلها حربا طويلة الأمد دون استنزاف.

– لقد حاولت واشنطن عبر حليفها المدعوم بأرقى أنواع التقنية أن يفعل الشيء نفسه خلال حرب 12 يوم وفشل.

– اقتراب الحرب من مجال يعتبر عمقا استراتيجيا لروسيا والصين، سيجعل الوضع أكثر تعقيدا. لروسيا والصين يمكن أن تسكت على بعض الإنجازات الأمريكية البعيدة، لكنها ستجد نفسها معنية بأي تغيير في قواعد الاشتباك على تخوم أوراسيا.

– تكرار مثال كاراكاس في إيران ستكون نتيجته وخيمة، فضلا عن استحالته العسكرية والجغرافية.

 عالم في حالة حيرة

لا يمكن أن تنتابنا الحيرة تجاه ما يجري إذا نحن أدركنا الشروط التي نشأ فيها النظام العالمي الحديث. فالقوة كانت ولا زالت هي الحاسمة في العلاقات الدولية. اليوم بما أننا نعيش ذروة الهيمنة التي تتجلى في الخرق السافر للقانون الدولي، نعتقد بأن الإبادة وخرق سيادة الدول هي تحول جديد في النظام الدولي.

لعنة النفط مرة أخرى ، وهي لعنة لأنها لا تضمن استقرارا لمنتجها، بل تفرض عليه الكثير من الارتهانات.

الطريقة التي تمت فيها عملية اختطاف مادورو، تعطينا فكرة عن قيمة 13 عام من صمود دمشق. فالذين استهانوا بمآل الوضع في سوريا، يدركون اليوم، أن الحرب على سوريا كانت تتجه نحو استهداف رأس النظام بالطريقة نفسها.

 النظام الدولي بين المبادئ والمصالح

لا بد من التأكيد على أن أم المصالح الدولية هي حفظ النظام الدولي العام. وأن هذه المصلحة الأم هي أس المبادىء في القانون الدولي، حيث لا قيام لمصالح حقيقية إذا ما تعرض السلم الأهلي للخطر. مبدئيا لا يعطي القانون الدولي الحق في خرق السيادة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ناهيك عن إخضاع رئيس دولة للعدالة داخل دولة أخرى كما ذكرنا.  الأمر هنا لا علاقة له بإدارة المصالح في نظام دولي مستقر. نعم، هناك من يجد في الوضع الجديد مصلحة، بناء على منطق الصراع والنفوذ والتحالفات الدولية، لكن على المستوى الدولي هذا يمنح لفكرة التدخل صك المرور السهل. والواقع أن العالم بات ضعيفا إزاء الخروقات التي تجري في مناطق النزاع. إن ردود الفعل على ما جرى في فنزويلا لم تكن مقنعة، فحتى حلفاء فنزويلا لم يظهروا ردود فعل مقنعة،  وذلك للظروف التي يمر منها العالم. بل الكل بات يتحسس رقبته بعد تصريح راعي البقر الجديد.

إذا تزاحمت المصالح اعتبر أهمها للقاعدة الأصولية: تقديم الأهم على المهم. والأهمية هنا قضية جوهرية، لأنه مع تقويض المصلحة العليا للنظام الدولي، يصبح من المتعذر تحقيق المصالح الوطنية على الأمدين المتوسط والبعيد، ذلك لأن ثمة ما أسميه بالدورة الجيوستراتيجية، حيث المصلحة نفسها لا تدوم نظرا لما تفرضها التحولات الجغرافية والسياسية. وهنا تصبح فكرة: (لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة بل مصلحة دائمة) غير دقيقة، نظرا لتقلب الجغرافيا وتزاحم المصالح.

الموقف المبدئي وحده يؤمن المصالح. ولا حاجة إلى الإنتهازية لتأمين المصالح، لأن دول الجنوب في حاجة إلى نظام دولي حقيقي، وهي مطالبة بالمناورة بهذا المبدأ للدفاع عن حقوقها العادلة. هنا يقتضي الأمر ممارسة السياسة من دون حقد ، ولنمنح التاريخ فرصة لانجاز مكره، والجغرافيا بأن تثأر.

وجب التأكيد على أن الأمم الواقعة في قلب لعنة العالم الثالث عليها أن تدرك بأن صراعاتها الصغرى، تفقدها على المدى البعيد أوراقها العبثية التي تقوم ليس على عدالة المبدأ ومبدا العدالة، بل غالبا ما تقوم على التمكين الذي تخوله لعبة الأمم. لا تحتاج القضايا العادلة إلى الإسراف في الشعبوية، فالقضايا العادلة تحمل عناصر الإقناع في ذاتها. إن الزمن الذي تمنحه الجغرافيا السياسية للبروباغاندا قصير في عمر الحضارات الممتد،  فعلى الأمم الحرة أن تدرك مهمتها التاريخية خارج التمني، أي بالكدح والصمود الواعي والمناورة. لا زالت الامبريالية تستثمر في تأخر الأمم الضعيفة. فالامبريالية تنجز مهامها في صمت، وهي أحيانا تخلق ملهيات ساخرة، من خلال زعيم يتفوق في الشعبوية الاستكبارية لكنه يترك للدولة العميقة أن تنجز مهامها. لقد فتحت عملية كاراكاس بابا من أبواب الجحيم، سيكون ضرره كبيرا على واشنطن نفسها حيث جرت العملية من دون الرجوع إلى الكونغرس باعتبار العملية لا تتعلق بغزو لفنزويلا، وذلك بتعليل غريب، وهو أن مادورو فقد شرعيته بمجرد تهمة الاتجار في المخدرات.

في احتجاج الشعب الفنزويلي على العملية ورفضه للوصاية، ستكون الأيام القادمة حافلة بالتصعيد، على امتداد الشعوب البوليفارية الغاضبة.

نقلا عن رأي اليوم

ثلاثاء, 06/01/2026 - 22:19