نظرتي للموت والحياة

خالد الفاظل

لو أن الإنسان أُعطي الإدراك وقيل له في بطنه أمه بأنه سيولد ويدخل الدنيا؛ لتملكه التوجس من هذه الحياة، لغموضها بالنسبة له...

قديما كانت كيفية الموت تشغلني كثيرا، وترتبط عندي بصورته في أشرطة الوعظ المنتشرة في بداية الألفية؛ صوت مخيف وهزيم رعود ورياح عاتية وجبل ضخم يجثم على صدر الميت ويكتم أنفاسه بقسوة، وهو يموت غالبا في حادث سير مأساوي في طريق مهجور لا مؤنس فيه، وصدى الأغاني ينبعث من المسجل الذي ما زال يعمل، ولا أحد يرى ذلك المشهد الغيبي سوى الواعظ بمفرده! بعد ذلك أصبحت أرى الموت حدثا طبيعيا مثل الولادة، لا يمكن تجنبه بالتفكير المطول للغاية، ولا يمكن تأجيل موعد قدومه بالمزيد من تضخيم الخوف والقلق من ذلك الزائر الحتمي الذي لا يحب إعطاء المواعيد لضيوفه. فما سيحاسبنا الله عليه بعد الموت، هو حياتنا بطبيعة الحال!

عش واسعى؛ وكن مرتاحا بأنك لن تشارك في مراسيم دفنك ولن تحثو التراب على جسدك، ولن تكتب تعزية لنفسك أو تتألم لفراقها. ولن تنظر للخلف من نافذة ضيقة لتعرف ما الذي يفعله الناس بعدك. والموت في نهاية المطاف جزء من الحياة، بل إنه وجهها الآخر، وهو الذي يعطيها معنى ومغزى، ويحفز على تجددها المستمر..

وبخصوص المعارف، إنكم جميعا تجلسون أمام بوابة المغادرة، والتي أُخفي مكانها عنكم. فأنتم لا تعرفون بشكل محدد عن موعد الرحلة الموالية لكل واحد منكم سواء كان يجلس متفائلا أو مكتئبا بداخل محطة العبور. فقط؛ استثمروا اللحظات قبل أن تمضي...

أما بخصوص الأحلام والمشاريع والأعمال الصالحة التي ترغبون في إنجازها، أو تلك الأشياء التي ترغبون في التعبير عنها، فلا يوجد لها سوى ترياق واحد:

لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد

لا تخف من أشياء دنيوية ستصبحُ ذكرى، وتُنسى، ولا تطل التردد..

الوقت يمضي بسرعة

كن مُخلصا لله ولا تكذب على نفسك ولا تحملها فوق طاقتها. ولا تركز كثيرا على ما سيقال من وراء ظهرك أو أمام وجهك، وبغض النظر عن طبيعته. الله يعلم كل شيء وهذا مطمئن، ومدعاة أيضا لليقظة وعدم تضييع الوقت في مراكمة الضغائن وظلم الناس وشهادة الزور والتحايل لنيل متع آيلة للزوال. أو الانغماس في الزهد السلبي الذي يعتبر الحياة خطيئة، بينما هي هبة ونعمة من الله انتشلتنا من العدم، ورغم ما يتخللها من مشقة ومعاناة..

أما الحقيقة، فلا أحد يمتلكها سوى من بحث عنها بكل صدق. والله هو الذي خلق هذا التنوع والاختلاف والتدافع، فلا تكن ضد سنته، ولا تحاول فرض التشابه والتماثل. وإياك أن تُحط من نفسك، والله كرمك لأنك إنسان

(( تَبَٰرَكَ اَ۬لذِے بِيَدِهِ اِ۬لْمُلْكُ وَهُوَ عَلَيٰ كُلِّ شَےْءٖ قَدِيرٌۖ (1) اِ۬لذِے خَلَقَ اَ۬لْمَوْتَ وَالْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمُۥٓ أَيُّكُمُۥٓ أَحْسَنُ عَمَلاٗۖ وَهُوَ اَ۬لْعَزِيزُ اُ۬لْغَفُورُۖ ))

أربعاء, 31/12/2025 - 13:42