قبل عقدين من الزمن كان مصطلح «العولمة» سائدا في السجالات السياسية والاقتصادية، وساد الاعتقاد أن الحدود بين دول العالم قد تلاشت وأن العالم قد أصبح «قرية صغيرة».
وتضمن مفهوم العولمة الترابط المتزايد بين اقتصادات الدول وثقافاتها ومجتمعاتها، مما يؤدي إلى جعل العالم أقرب لبعضه، وكذلك إلى تجاوز الحدود الجغرافية. يشمل ذلك تدفق السلع والخدمات ورأس المال والمعلومات والتكنولوجيا والبشر، ويُفسر على أنه اندماج الأسواق العالمية وتأثر المجتمعات بقيم الآخرين وثقافاتهم وتقاليدهم. وتواصل السجال حول العولمة، فكتُبت الكتب وأُقيمت المؤتمرات والندوات ونُظّمت الحوارات على نطاق العالم. أما السجال اليوم فيدور حول ما بعد العولمة. فقد تمّت تسوية مضمار السباق في المجالات الاقتصادية والعسكرية، ولم يعد هناك حاجة للكيانات السياسية لإعلان انتمائها لإحدى الدول الكبرى. وهناك سباق محتدم في هذا المضمار بين كل من الولايات المتحدة واليابان بشكل خاص.
وإذا كانت العولمة قد ظهرت في حقبة ما بعد الحرب الباردة فإن الظروف الدولية تتجه نحو أوضاع مشابهة. فبعد ربع قرن من الوضع الجديد ظهرت حقائق أخرى على الصعيد الدولي، وأهمها بروز ما يمكن اعتباره «حربا باردة» بين أمريكا والصين تقوم على أنقاض ظاهرة العولمة التي تتلاشى مصاديقها تدريجيا.
ففي المضمار الجديد تبدو دول العالم أقوى مما كانت عليه من قبل، وأكثر استقلالا وأقل رغبة في الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك. فكأن هناك حلبة سباق تشتبك فيها أمريكا والصين، بينما تقف تلك الدول حول تلك الحلقة متفرّجة. وحيث أن البلدين أضعف كثيرا مما كانا عليه في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، فقد أصبحت الدول الأخرى أقدر على التحرّك لتحقيق مصالحها بدون الانحياز إلى أيّ منهما. تلازم ذلك مع ظاهرة العسكرة التي فرضتها أمريكا على العالم، وساهمت في وضع العراقيل أمام حركة الأموال عبر الحدود. كانت هناك قناعة راسخة بأن التكامل الاقتصادي ضروري لتحقيق الرخاء والسلام، وأنه سوف يؤدّي إلى التقارب السياسي. والملاحظ أن الوضع الآن تغيّر تماما. فقد انسحبت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتصاعدت نغمة «أمريكا أوّلًا» وظهر زعماء مثل دونالد ترامب يدعون للعمل الأحادي بدلا من التعاون الجماعي.
وظهرت روسيا أضعف مما كانت عليه في حقبة «الحرب الباردة» ولم تعد تمثل خطرا على مصالح الغرب سواء بسبب ضعفها الاقتصادي أم تراجعها السياسي وتوجهها نحو العزلة. وساهم تورّطها في أوكرانيا في الحصار الذي تعاني منه. بينما تراجع بعض مقولات الغرب، ومن بينها أن الليبرالية السياسية ستؤدّي إلى النمو الاقتصادي وأنها تمثل نهاية العالم لأنها ذروة ما يمكن أن يتوصل إليه العقل البشري من تفكير سياسي. تلك التنبؤات لم تحدث بل أن تطورات أخرى فرضت نفسها على هذا الكوكب. فها هي الصين تتصدر الاقتصاد العالمي كأقوى قوة اقتصادية في العالم برغم عدم انفتاحها السياسي. وها هو التطور البشري يعجز حتى الآن عن إنتاج أدوية وأمصال تحمي العالم من الأمراض والأوبئة. فبرغم إنتاج لقاح في ذروة انتشار وباء كورونا ذكرت منظمة الصحة العالمية أن عدد الذين فقدوا حياتهم بالمرض تجاوز 7 ملايين إنسان، وترجّح أن الرقم الأقرب للواقع يصل إلى 21 مليونا.
لقد سقطت تلك المقولات، وأصبح على الدول البحث عن مواقع لها في عالم يزداد تحرّرا من الهيمنة السياسية لأمريكا وحلفائها الغربيين.
وتكفي الإشارة إلى الأزمة المالية التي حدثت في العام 2008. فقد كشفت عن هشاشة التمويل العابر للحدود ومخاطر الأسواق غير المنظمة. وبدلًا من إعادة التوازن للأسواق المالية والنظر في هيكلية النظام المصرفي العالمي، كان رد الفعل هو التقشف المالي الذي أدى لفرض أنظمة الضرائب التنازلية وركود الأجور، مما أدّى إلى خيبة أمل شرائح واسعة من السكان. لذلك فمن السابق لأوانه الاعتقاد بأن التطور البشري بلغ مراحل تحمي الكوكب وسكانه من تداعيات الشعور البشري بالإنجاز.
فما هذا الإنجاز الذي يدفع بالعالم لتدمير نفسه، بقراره وإرادته؟ كيف يسمح هذا العالم لنفسه تجاهل أزمة المياه الحادّة التي ستؤدّى بشكل تدريجي لتدمير الحياة الزراعية وتداعيات ذلك على حياة الآدميين؟ ومع إصرار البشر على تدمير الغابات، تتكرّس ظاهرة «التصحّر» التي ستكون عواقبها وخيمة على الكوكب وسكانه. فسيحدث إخلال بالتوازن البيئي، يؤدي إلى ارتفاع منسوب المحيطات وتقلّص اليابسة، حتى أن بعض الجزر ستغمرها المياه تماما. إن العالم الذي تحدّثت عنه مخيّلة فرانسيس فوكوياما ليس سعيدا كما حاول تصويره بناء على فرضيات طرحها، اتضح بُعدها عن الواقع والحقيقة، وتبدو تنبؤات نوستدراموس ومنها حتمية الصراع بين الغرب والصين أقرب للواقع. وحين يكون تهديد أمن الكوكب واستقرار الحياة على سطحه نابعا من عوامل ذاتية من صنع البشر، فسوف تتوفر فرصة نفاذ السنن الإلهية (أو ما يسمى القوانين الطبيعية) على نطاق واسع. فهل الفيضانات التي اجتاحت مساحات شاسعة من بلدان العالم في الأسابيع الأخيرة إلا أحد تجلّيات غضب الطبيعة من تصرّفات الإنسان؟
في القرن الماضي كانت الأنظار موجّهة للتطور الصناعي والتكنولوجي الذي حدث بعد الحرب العالمية الثانية، واعتبرت دول الغرب بقيادة أمريكا رائدة في هذا المجال، وصاحب ذلك انتشار قناعات بعدم جدوى الدّين في الحياة العامة، وأن الثقافة الليبرالية هي التي دفعت عجلة التطور، بينما ارتبط التخلّف التكنولوجي بانتشار الحالة الدينية، ونجم عن ذلك أنماط من العلم تتميّز بالعلمنة، وتم النظر إلى العلم بانفصال عن الإيمان، ويُفترض ان يدفع العقل البشري العلماء للتفكير في هذا المسار العلمي الذي أوصل الإنسان إلى الفضاء، ولكنه عجز عن حماية الأرض. أليس ذلك ناجما عن غياب التوازن في فكر الإنسان وتصرفاته؟ وهنا لا بد من التأكيد على أن العلم ليس هو الذي يصنع قوانين الطبيعة، بل يكتشف وجودها فحسب، ويسعى للاستفادة من تلك المعرفة.
أما الإنجازات البشرية في الجوانب التصنيعية فهي تطوّر تراكمي ونسبي ومؤقّت، إذ سرعان ما تتحرك قاطرة العلم وتتجاوز تلك المستويات. وبموازاة ذلك يبقى الإنسان محاصرا بجهله.
إن من الضرورة بمكان متابعة المشروع العلمي البشري، ولكي يكون ذلك العلم كاملا فمن الضرورة كذلك أن يكون مدعوما بالإيمان. أليس تكامل العلم والدّين واضحا في شخصيات روّاد العلم في التاريخ الإسلامي؟ ألم يكن الفقيه عالما في الرياضيات والعلوم الطبيعية» ألم يكن الفيلسوف المسلم متبحّرا في علوم الفلك والكيمياء؟ هذا التكامل هو ما يفتقر له العلم الحديث الذي يقود الإنسان على سكّة العلم باختراعات وتطورات تكنولوجية هائلة، ولكنه لا يستطيع ملء الفراغ الرّوحي الذي يحتاجه بفطرته. فبرغم التطورات العلمية الظاهرة يشعر قادة الدول الكبرى بانعدام الأمن الذي ما يزال سرابا في نظر الكثيرين. ولذلك تزداد الدول الصناعية الكبرى انكماشا بسبب الخوف من الآخر. فأمريكا تفرض حظر تصدير التكنولوجيا المتطوّرة إلى الصين. وفي أبريل الماضي تحركت إدارة الرئيس ترامب لتقييد مبيعات H20 أشباه الموصلات المخصصة لشركة «إنفيديا» في الصين فقط، وألغى معها ما يسمى «قاعدة الانتشار» التي وضعت في عهد بايدن لسد هذه الثغرة. ولكي تتجاوز الصين هذه الثغرة الناجمة عن سياسة أمريكا حظر التصدير، اتجهت شركاتها التكنولوجية الكبرى، وعلى رأسها «علي بابا» و«بايت دانس»، إلى تدريب أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها في مراكز بيانات تقع في جنوب شرق آسيا. وتهدف هذه الخطوة إلى الاستفادة من شرائح «إنفيديا» المتقدمة التي أصبحت خاضعة لقيود أمريكية مشددة تمنع تصديرها إلى الصين.
وهكذا يبدو السباق محتدما بين نظرية «العولمة» التي تلفظ أنفاسها الأخيرة وسياسات العمل الأحادي المنفرد في عصر التكنولوجيا المتقدّمة خصوصا في عصر الذكاء الاصطناعي الذي يراه البعض تهديدا للبشريّة. وهو صراع متعدد الأبعاد والاتجاهات، ومن شأنه أن يتفاقم سياسيا وربما عسكريا أيضا. وفي خضم هذا الصراع بين الماردين التكنولوجيين، تقف دول العالم، ومنها دول الا تحاد الأوروبي مكتفية بالتفرّج. ويأمل بعضها (مثل ألمانيا وبريطانيا وربما اليابان وروسيا) في ردم الهوّة التكنولوجية التي ارتفعت بمفاهيم الصراع الدولي إلى مستويات جديدة غير مسبوقة. وهكذا يصبح العلم خصوصا في مجال التكنولوجيا وسيلة ليس للتقريب بين البشر بل لتوسيع مساحات التباعد القائم على قيم الأنانية والجشع إلى جانب الخوف والخشية من تفوّق الآخر المختلف سياسيا أو فكريّا.
نقلا عن القدس العربي











