في أحد أحياء دمشق التي كانت ذات يوم مرآة للتسامح والألفة والسلام خرج المحتفلون بثورتهم يصرخون يا علوي خبر الدروز على راسكم بدنا ندوس (بالمناسبة هذه ألطف عبارة هتفت بها حناجر من خرج يمجد ما أتت به الثورة). لم يكن الهتاف الذي عم مختلف الساحات مجرد غضب عابر بل مرآة لشرخ داخلي عميق وانهيار أخلاقي وسياسي تعيشه سوريا خلال هذه التحولات القاسية. كان الهتاف كفيلاً بأن يكشف حجم الانحدار في لغة الشارع وتحول الغضب من أداة تغيير إلى أداة كسر وتحويل الاحتجاج من مساحة وطنية إلى ساحة للفرز الطائفي. بلد يختنق بجراحه ثم يضيف إليها جرحاً يصنعه أبناؤه وكأن الذاكرة المثقلة بما فيها لا تكفي.
في الذكرى الأولى لردع العدوان تبدو سوريا واقفة على جدار أخير جدار هش تحته فراغ هائل ومنه تتسلل الأخطاء والأحقاد وتتسلل معه كل الأطراف التي وجدت في ضعف الداخل فرصة ثمينة من توغل إسرائيل في الجنوب إلى تدخل أطراف إقليمية ودولية تعاملت مع سوريا كأرض مكشوفة وليست دولة ذات سيادة.
سياسة تحريك شارع مقابل شارع لم تكن سوى وصفة جاهزة لفوضى طويلة وتصعيد خطير بين مكونات تبحث عن الأمان وتحريض ينهش النسيج المجتمعي، بينما الهتافات الطائفية تعمق الشروخ في بلد يحتاج للتماسك لا للاشتعال. بلد نقاط ضعفه مكشوفة أمام الجميع ، وثغراته مفتوحة وصوته يجب أن يعلو باتجاه واحد لا أن يُصب في صدر بعضه.
التاريخ ليس بعيداً ومنه دروس لا تُنسى. ثورات بلا مؤسسات تحولت إلى انقسام كما في لبنان وإلى احتكاك كاد أن يكون خطير كما في مصر وإلى انزلاق مجهول كما في تونس قبل أن تعود للاستقرار . الغضب الشعبي إن لم يُحَصَّن برؤية سياسية واضحة يتحول إلى أداة تفكيك لا إعادة بناء وإلى باب خارجي يدخل منه كل من يريد قطعة من هذا البلد المنهك.
سوريا اليوم بحاجة إلى ما هو أبعد من الشعارات بحاجة إلى إعادة بناء الثقة وترميم النسيج المجتمعي وصياغة مسار سياسي يحمي الجميع ولا يترك أحداً في مواجهة أحد ولا يفتح الباب أمام سلوكيات تهدم أكثر مما تبني ولا يترك البلاد مكشوفة على رياح الخارج.
الذكرى الأولى لردع العدوان ليست مجرد مناسبة للتذكر، بل صرخة استراتيجية لكل السوريين: الفراغ، الانقسام والتحريض الطائفي والقتل ليست أحداثاً عابرة، بل تهديدات مباشرة لأمن واستقرار الوطن. إن استمرار تكرار الأخطاء، من سياسة شارع مقابل شارع إلى استغلال الهتافات الطائفية، لن يؤدي إلا إلى تعميق نقاط الضعف الداخلية وتمكين الأعداء من استغلالها، ما يهدد كل جهود التعافي ويقرب البلاد من الفوضى الشاملة.
الخاتمة هنا ليست خطاباً بل تحذيراً واضحاً، الانقسام ليس ترفاً يمكن احتماله والتحريض ليس زلة عابرة والأخطاء ليست حدثاً موسمياً إنها شقوق في جدار وطن كلما اتسعت صار الطريق ممهداً لمن يريد استباحة الأرض والقرار. وكل ذكرى للعدوان يجب أن تكون علامة فارقة في تاريخ سوريا المعاصر، درساً استراتيجياً في كيف يمكن للشعب والدولة أن يتحركا معاً نحو الوحدة، الاستقرار، والبناء الوطني الحقيقي، بدل أن تبقى مجرد استدعاء للأخطاء والتهديدات التي قد تحرق مستقبل الوطن.
يجب أن تكون تذكيراً بأن العدو يدخل من الداخل قبل الحدود يدخل من شرخ، من هتاف، من شارع يرفع صوته ضد شارع. بلد يريد أن يتعافى لا أن يحترق وما لم نوقف هذا الانزلاق سنبقى نكتب الذكريات بدل أن نكتب المستقبل .
نقلا عن رأي اليوم











