أعاد حكم الإعدام الذي أصدرته محكمة استئناف النجف ضد شاب سوري يبلغ من عمره 22 عاما تاريخ أحكام الإعدام الاعتباطية التي يصدرها القضاء العراقي غير المهني والمسيس الى الواجهة، الأمر الذي جعل العراق في مقدمة الدول التي تكثر فيها أحكام الإعدام على مستوى العالم!
وقد أثار هذا الحكم في حق الشاب السوري لغطا كبيرا، حيث أصدر، بعده، مجلس القضاء الأعلى بيانا نفى فيه ما تداوله الناس مما وصفه بالإشاعات التي تحدثت عن أن سبب الإعدام يتعلق بنشر المحكوم عليه مقطع فيديو يمجد الرئيس السوري، واحتواء هاتفه على مواد تخص الجيش السوري الحر. وقال البيان إن المذكور حوكم بأربع تهم كانت السبب في قرار الإعدام؛ أولا الاعتراف بتمجيد الإرهابي أبو بكر البغدادي، والإشادة والتشجيع على قتل أفراد الجيش العراقي والحشد الشعبي في منطقة الطارمية، ثم الطلب من أشخاص الانتماء لكيان داعش، وأخيرا نشر فيديو وهو يقوم بحرق صورة الإمام علي (رضي الله عنه).
والحقيقة أن مراجعة هذه التهم غير المنطقية بل والمضحكة (باستثناء الاتهام الأخير المثبت بفيديو) تكرس حقيقة ثابتة تتعلق بأحكام الإعدام في العراق، وهي أنها أحكام اعتباطية لا تلتزم بمعايير المحاكمة العادلة ولا بأي معيار قانوني آخر!
فقد جاء الحكم، وفقا لنص قرار المحكمة، استنادا الى «أحكام المادة الرابعة/ 1 وبدلالة المادة الأولى/ 1 و 2 من أحكام قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005) وبالعودة إلى هذا القانون سيئ الصيت وسيئ التتنفيذ، والذي استخدم طوال السنوات الماضية كأداة طائفية واضحة، سنجد أن المادة الرابعة/ 1 تنص على أن «يعاقب بالإعدام كل من ارتكب ـ بصفته فاعلا أصليا أو شريك عمل أيا من الأعمال الإرهابية الواردة بالمادة الثانية والثالثة من هذا القانون، يعاقب المحرض والمخطط والممول وكل من مكن الإرهابيين من القيام بالجرائم الواردة في هذا القانون بعقوبة الفاعل الأصلي». وكما هو واضح، فإن هذه المادة لا تنطبق على كل ما تقدم من التهم المرسلة التي وردت في بيان مجلس القضاء الأعلى! كما أنه من الواضح أن القرار قد أورد المادة الأخرى بالخطأ، فلا وجود لفقرات في المادة الأولى من القانون، بل تأتي الفقرات في المادتين الثانية والثالثة فقط! وبالعودة إلى الفقرات 1 و2 في المادة الثانية سنجد أنها تتعلق بالعنف والتهديد، أو العلم بالعنف والتهديد! أما الفقرات 1 و 2 في المادة الثالثة فتتحدث عن «كل فعل ذو دوافع إرهابية من شأنه تهديد الوحدة الوطنية وسلامة المجتمع ويمس أمن الدولة واستقرارها أو يضعف من قدرة الأجهزة الأمنية في الدفاع والحفاظ على أمن المواطنين وممتلكاتهم وحدود الدولة ومؤسساتها سواء بالاصطدام المسلح مع قوات الدولة أو أي شكل من الأشكال التي تخرج عن حرية التعبير التي يكفلها القانون»، و«كل فعل يتضمن الشروع بالقوة أو العنف في قلب نظام الحكم أو شكل الدولة المقرر في الدستور»، ومن الواضح أن لا علاقة لها بالمطلق بالتهم الموجهة للشاب السوري!
هناك إجماع محلي ودولي لدى المنظمات الحقوقية، على اعتباطية أحكام الإعدام في العراق، لكن لا أحد في سلطات الدولة العراقية ومؤسساتها، يجرؤ على الاعتراف بهذه الحقيقة، وذلك بسبب مناخ الخوف الذي يحكم العراق اليوم، والذي أطلقنا عليه في مقالة سابقة «جمهورية الخوف الثانية»، بل ثمة «خرس» مطبق يلف الجميع، وتواطؤ مخز يحكم الجميع، والمحزن مع كل ذلك، أن ثمة انتهازيين ومتملقين يدافعون بطريقة فجة، عن هذه الأحكام الاعتباطية!
في التقرير الذي نشره المقررون الخاصون في مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة بعنوان «نطاق واستمرار حملات الإعدام التعسفي قد تشكل جريمة ضد الإنسانية» في حزيران 2024، تحدث المقررون عن أن «معظم الجرائم المفصلة في المادتين 2 و 3 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، والتي يحكم على أساسها الأشخاص بالإعدام، لا ترقى إلى مستوى «الجرائم الأشد خطورة» مما يجعل عمليات الإعدام هذه تعسفية بطبيعتها». وأكد المقررون «قلقهم العميق» بسبب الاستخدام السياسي المزعوم لأحكام الإعدام، وخاصة ضد الذكور العراقيين من السنة، كما يشير التقرير الى «الاعترافات المشوبة بالتعذيب التي أدت إلى هذه الأحكام غير العادلة»!
أما منظمة هيومان رايتس ووج في تقريرها الصادر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 بعنوان «تصاعد الإعدامات غير القانونية» فتتحدث عن «محاكمات جائرة تستند إلى أدلة يشوبها التعذيب» كما تتحدث عن «سجل العراق الراسخ في انتهاكات الإجراءات القانونية الواجبة، والتي ترقى إلى الحرمان التعسفي من الحق في الحياة»!
وتشير منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي لعام 2025، إلى أن العراق يأتي في المرتبة الثانية بعد إيران في تنفيذ أحكام الإعدام على مستوى العالم. وتعزو المنظمة هذا الارتفاع في أحكام الإعدام، إلى عدة عوامل بينها التشريعات المتعلقة بالإرهاب، مما يسمح بتوجيه تهم قد تؤدي إلى إصدار أحكام بالإعدام، ووجود مشكلات تتعلق بالنظام القضائي العراقي، بما في ذلك الاعتماد على اعترافات يُزعم أنها انتُزعت تحت التعذيب، وغياب المحاكمات العادلة! لتنتهي المنظمة الى المطالبة بالعمل على ضمان محاكمات عادلة وشفافة تتوافق مع المعايير الدولية، وتضمن حقوق المتهمين في الدفاع والتمثيل القانوني، وتعزيز نظام قضائي يحترم حقوق الإنسان ويضمن العدالة لجميع المواطنين!
لا يعد الإعدام التعسفي والإعدام بإجراءات موجزة غير قانونية Arbitrary and Summary Executions مجرد حرمان تعسفي من حق الحياة، بل يعد أيضا أداة تستخدم لإرهاب السكان وفرض الإذعان. وبالتالي لا يمكن التعامل مع هذه الاعتباطية في إصدار أحكام الإعدام استنادا إلى قانون فضفاض، من خلال محاكمات غير عادلة لا تلبي المعايير الأساسية من ضمنها (الحق في الدفاع الحقيقي وليس الشكلي، والتحقيق في ادعاءات التعذيب، وعدم الاعتماد على الاعترافات بوصفها دليلا وحيدا) إلا بوصفها أدة لتنفيذ أهداف سياسية وليس لإنفاذ القانون أو لتحقيق العدالة!
في النهاية لا يمكن قراءة حكم الإعدام الذي صدر بحق الشاب السوري خارج السياق السياسي للعلاقات العراقية السورية، أو بعيدا عن موقف الفاعلين السياسيين الشيعة تجاه التغيير في سوريا، خاصة وأنهم وقفوا على مدى 12 عاما داعمين لنظام بشار الأسد، ففي النهاية الأحكام القضائية في العراق هي أحكام خاضعة للشروط السياسية وليس للقانون!
كاتب عراقي
نقلا عن القدس العربي











