أشعر بالكثير من التقدير للسادة والسيدات الذين امتلكوا شجاعة الكتابة في جو المهانة والذل الذي نعيشه جميعا ونحن نقارن بين هبة شعوب الشمال النصراني العبراني للتضامن مع ضحايا الوحشية الصهيونية وبين الميوعة التي تعرفها شعوبنا والتخاذل الذي تمارسه وهي تتابع ببلادة “أسطورية” صرخات الصامدين في غزة ولبنان.
وأعترف بأنني لا أمتلك شجاعة الرفقاء الذين أتصور أن كثيرين منهم يكتبون وهم يتلوون ألما كما يتلوى المصاب بالمغص الكلوي.
عزفت عن الكتابة احتراما لهذا المنبر وللرفقاء المساهمين في تنشيط حيويته لمجرد أن بعض ما كان يمكن أن أقوله سوف يكون بذاءة لفظية كذلك القيئ التلقائي الذي يتصرف به الجسم عند التهام أطعمة ملوثة أو مسمومة.
كنت مُشتت الأحاسيس بين ما يمكن أن يكون نقدا للذات وبين ما يمكن أن ينتهي به الأمر إلى أن يكون جلدا للذات، لكن وقفة تأمل كانت هبة من المولى عز وجلّ جعلتني أصل إلى استنتاج رأيته تهدئة تخديرية لبركان الغضب في نفسي، ومضمونه أن من الظلم الفادح أن نقارن بين الشعوب في الشمال وبين شعوبنا، أو معظمها على الأقل، وبالتالي بين قيادات الشمال، في معظمها، وقيادات الجنوب.
معظم شعوب الشمال واجهت تجارب رهيبة من خلال الحروب، وحتى تلك التي لم تعاني على أرضها من ويلات الحروب، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وكندا لم تسلم شعوبها من نتائج الحروب، حيث أنها أرسلت أبناءها للمشاركة فيها، ورفات كثيرين منهم ظلت مدفونة على بعد مئات الأميال من أحيائهم السكنية، وكثير منها لا تحمل قبورهم أسماء.
تلك الحروب منحت الشعوب قوة الارتباط بالوطن الذي لم يعد مجرد فندق يفر النزيل منه إذا حدث فيه ما يُعكّر مقامه، ومنحتها الإحساس بأن من حقها أن تختار قياداتها السياسية، وهذه أدركت بأن بقاءها على كرسي السلطة مرهونة بإرادة الجماهير التي منحتها ثقتها، ووصل الأمر إلى أن الجماهير استطاعت أن تنتزع القيادة ممن رأت أن مهمتهم انتهت، وأنها في حاجة لقيادة جديدة للمرحلة الجديدة، كما حدث في بريطانيا عند انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث قيل لرائد الانتصار “ونستون تشرشل” بأن عليه أن يعود إلى بيته، وأن يُغادر 10 “داوننغ ستريت”.
كل هذا وكثير مثله لم تعرفه معظم شعوبنا، حيث لم تواجه على أرض الواقع أي صراعات مصيرية تسيل فيها دماء الأهل والأحباب وتتعرض لأوضاع الرعب والمعاناة التي تأتي بها الحروب، ويمكن أن أقول أن نسبة هائلة من هذه الشعوب لم تواجه العدوّ بشكل مباشر، إن لم أقل إن شرائح منها كانت تستفيد من وجود قوات الاحتلال الأجنبي على أرضها، والأمثلة معروفة.
وكانت القيادات السياسية في كثير من بلداننا قدَرا أصيبت به الشعوب التي لم يكن لها دور في اختيارها، وبالتالي أصبح ولاء القيادات الحقيقي هو للقوى الخارجية التي تتصور أنها هي ضمان بقائها عل كرسي السلطة، ولقد قرأنا عن حاكم عربي أصيب بالرعب عندما علم بأن القوات الأجنبية سوف تنسحب من بلاده فأرسل يستعطفها لكيلا تفعل ذلك.
وفي أوطان تؤمن بالقضاء والقدر أصبحت الشعوب في معظمها تُصابُ بنوع من التسليم أصبح في نهاية الأمر نوعا من اللامبالاة، ضاعفت منه نكسات أصبنا بها عندما اختلط سوء التقدير بسوء التدبير، وزاد الطين بلة حملات مشبوهة متواصلة راحت تشكك المواطن في كل ما يمكن أن يربطه إيجابيا بتاريخه وبحضارته بل وبدينه وبمقومات شخصيته.
وهكذا رحنا نقرأ لمثقف كبير راح يهزأ برجل أسطوري مثل صلاح الدين الأيوبي وتابعنا من يتطاول على شخصيات كانت رصيدا وطنيا للأمة مثل جمال عبد الناصر ومن ينفي صحة أحداث تاريخية مثل معركة “نوارين” البحرية عام 1827، ووصل الأمر إلى حد السخرية الضمنية من المقاومة الشعبية في القنال كما حدث من محمود السعدني في كتابه “عندما يعود القمر”، وتغوّل الطابور الخامس فوصل الأمر إلى حدّ التشكيك في صحة عدد شهداء الحرب التحريرية بل وفي صحة الأحاديث النبوية.
وتضاءلت لدى معظمنا القدرة على تفهم الأخطاء الإنسانية مهما عظمت عند القيادات الوطنية، فلم ندرك معنى تمجيد الجنرال “شارل دوغول” لخصمه التاريخي الماريشال ” هنري بيتان”، برغم أنه حُكِم عليه بالإعدام بتهمة الخيانة العظمي، وأدرك الشعب الفرنسي أن بطل “فيردان” رصيد تاريخي وطني لا يجب أن تمحو خطيئتُه تاريخَه، ومن هنا كانت غضبة مثقفين فرنسيين ضد من كتب ما اعتبر إساءة لرمز مرحلة الإرهاب في الثورة، “مكسميليان روبسبير”.
ولم نجد كثيرين يذكّرون شعوبنا بأن بداية انهيار الاتحاد السوفيتي كان خطاب “نيكيتا خروتشوف” في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي عندما لوث تاريخ “جوزيف ستالين”، الذي كان بالفعل دكتاتورا رهيبا لكنه كان هو الذي وضع قواعد الدولة العظمى الثانية في العالم، وذلك مقارنة بالتصرف الصيني الذي ما زال يحتفظ بصور “ماو تسي تونغ” في واجهة ساحة “تين إن منه” التاريخية.
وكان من الطبيعي نتيجة لهذا الجوّ أن يتصرف المواطن كذلك الشاب الذي يُقال له يوما أن أباه ليس أباه وأن أمه كانت تتاجر بثدييها وأن أخواله تجار مخدرات، فيفقد الثقة بكل شيئ حتى بنفسه.
ولا يعني ذلك أن الشعوب كانت راضية، فلا يمكن أن نتجاهل النضال الرائع الي قامت به شرائح وطنية في أول بلدين عربيين يفتحان باب التطبيع مع الكيان الصهيوني، لكن المحصلة النهائية على الساحة العربية كانت ما أسميته يوما وضعية شبيهة بحالة “البرود الجنسي” عند المرأة الناضجة.
وهكذا لا تكتفي دول عربية بحصارِ أشرف ما عرفته الأمة بل تدعم العدوّ بكل صفاقة ونذالة، وبينما تواصل اقتناء أسلحة سوف يأكلها الصدأ تتجه قوات بحرية إسبانية وإيطالية لحماية أسطول الصمود، وبينما ترتدي نائبة أوربية العلم الفلسطينية وهو تواجه برلمان بلادها يُقبض على مواطن عربي رفع الراية رباعية الأوان امام باب بيته.
هذا هو الوضع المضطرب الذي يجد المثقف الوطني نفسه أسيرا لتناقضاته، وما أسهل البكاء على الأطلال، وما أيسر توجيه اللعنات لهذا الطرف أو ذاك، لكنني ما زلت أقول بأن علينا أن نقوم بوقفة نقدية للذات، وهو أقصى ما يملكه المثقف بعد أن عجزت حرائر “الأمة الخالدة” على أن يلدن مثل المناضل الجزائري “محمد بن صندوق”.
نقلا عن رأي اليوم











