أغشت ... اجريف !!

محمد الا مين سيدي مولود

حين أعود بالذاكرة - وليست بالحرون - أو تعود بي إلى أول دقائق إدراكي في هذا الربع تتبعثر الصور، وأظن بواكيرها في النصف الأول من العقد الثامن من القرن الماضي (حدود 83/84) قبيل التحاقي بالكتاتيب أي في عمر أربع أو خمس سنوات في قرية اجريف - جنوب النعمة حيث ولدت - في شهر اغشت هذا، أتذكر كل تفاصيل وملامح أمي رحمها الله، بل إنها تكاد تحتجز تلك الفترة من إدراكي، ومن أكثر اللقطات التي لا تفارقني كلما نبشت الذاكرة نظري إلى رؤوس أصابع قدمها اليمنى وهي تسنج الحصائر مع أخريات من نساء القرية إذ كنت أتسلق كتفيها وهي تتوسطهن. لا أدري لماذا كانت تجلس في الوسط دائما أثناء ذلك العمل، لكني أدرك محوريتها بينهن، حيث كنّ يزرننا في بيتنا وكانت تشردهن وتكرمهن، وكنت ملتصقا بها في كل لحظاتي تلك.

من لقطات ما قبل الإدراك هذه جلوسها وحيدة عند سفح كثيّب رملي عند باب مسجد القرية حيث كنت ألعب أنا وصحبي على ذلك الكثيب بعيد صلاة المغرب ليالي البدر، وكانت ترقبني هناك فلا هي تريد منعي من اللعب خاصة أن أصيحابي غالبا يتفرقون حال غيابي، كما أنها لا تريد تركي أمشي لوحدي، ربما لأنني كنت آخر العنقود. وكلما مررتُ بذلك المكان الذي تغير كثيرا حيث اختفى الكثيب وتغير محيط المسجد، بل تغير المسجد نفسه توخز الذاكرة فانشد مع البرعي:

وأندب سفح البان أيام صبوتي / عليه وبرد اللهو فيه شقيبُ 

كانت جنتي رحمها الله تعاقبني إذا تأخرتُ حين أخرج نهارا، أو إذا خرجتُ دون إذن، بالاستحمام والنوم زوالا وهذا ما كنت أخشاه كثيرا فأقطع لعبي غالبا وأعود رغم استمرار أصحابي في اللعب حتى الزوال. لاحقا كانت عمتي أم الخير رحمها الله التي التحقت بما في الشرگ قادمة من الگبله تقول: "يارب ما عندي ش للعقاب ماه عقاب النانّه لذا اطفيل". كانت أمي ترسلني إذا رأت امرأة تحمل أي شيء وتدعو دعاء دائما: قم يجعل فيّ وفيك منافع للمسلمين. 

أتذكر ضمن لقطات ما قبل الإدراك أنني كنت أفضل ذراع أمّي على الوسادة فلا أنام إلا عليه. وبعض الأحيان أستيقظ ورأسي على وسادة خاصة فأطلب ذراعها ولو كانت نائمة. 
ومما كنت أنام عنه كثيرا العشاء، فقد كانت جنتي رحمها تفضل أن ينام الأبناء ليلا دون أكل وتقول إن ذلك موجب "للطول ولهجاف" عكس البنات تفضل لهن الأكل بل ترغمهن عليه، وكانت تحذر من إيقاظي حال نومي لأي سبب كان، وترى ذلك يزيد الذكاء والفطنة، ومن طرائف نومي عن العشاء أنني حين أستيقظ صباحا أتحسر على النوم دون أكل فتشير لي وهي تسبح قبيل طلوع الشمس على "عشائي" وهو "العيش الصابح" أو "بيوت" عند البعض، واللبن في قدح بجانبه فأحتج قائلا: هذا لعاد اعشاي أيوا اصبوحي منين؟! فتتبسم وتقول سبحان الله والحمد لله وتهز رأسها أو توميء بسبحتها فأرضى وأتعشى صباحا وأسكت. وهنا أذكر أنه في منطقتنا قد يستعمل العيش ثلاث مرات في اليوم، ليلا مع لبن البقر، وفي الصباح "بيوت" مع اللبن أيضا وزوالا العيش وتقيَه، وتتفنن صانعات العيش في نمطه وفي اختبار جودته الخ. 

اغشت هذا أكثر الشهور استفزازا للذاكرة خاصة إن كان في اجريف، حيث دقائق الطفولة، وذكريات الأصحاب وظل الوالدين، ومرتع الإخوة، وظلال الأخوال والأهل:
حبذا عهد الطفولة 
ومغانيها الجميلة
هي لبّ العمر أحلى
فترة العمر الضئيلة
إنها لحظات:
احسنْ بيها ذا الدهر ؤصدْ / اگبل غير الدهر اتفو بيهْ
ما يحسن بايام اعل حدْ  / ما بيام اخرى ساء اعليهْ
على قول ربان .. فرحم الله والدينا وموتانا ورزقنا الله حسن الخاتمة.

ثلاثاء, 26/08/2025 - 21:33