ماذا قام به تعليمنا العالي منذ تأسيسه و حتى الآن من أبحاث و دراسات و إنشاء مؤسسات جامعية خاصة بتنمية و تطوير مواردنا الزراعية و الحيوانية و السمكية التي تشكل القطاع الاقتصادي الأول ( secteur primaire ) ؟
لماذا لم يتم التفكير في مراكز بحث ذات بعد وطني خاصة بمكافحة التصحر و المحافظة على البيئة و استغلال الطاقة الرياحية و الشمسية؟
بحسب علمي، توجد فقط مؤسستان تهتمان حصريا بمواردنا الطبيعية غير الثروة المنجمية، إحداهما المدرسة الوطنية للتكوين و الإرشاد الزراعي بكيهيدي ENFVA، التي أنشئت نهاية 1978 بموجب المرسوم رقم 172 - 78 الصادر بتاريخ 9 ديسمبر 1978، و هي تابعة لوزارة الزراعة. أما المؤسسة الأخرى، فهي المعهد الموريتاني لأبحاث المحيطات و الصيد IMROP و قد تأسس سنة 1979 على أنقاض المركز الوطني لأبحاث المحيطات و الصيد CNORP الذي تأسس بدوره على مختبر الصيد Laboratoire des Pêches المنشا في ظل الإدارة الاستعمارية سنة 1950. يتبع هذا المعهد لوزارة الصيد و هو المؤسسة البحثية الوحيدة في البلد حتى الآن التي يتمتع الخبراء فيها بوضعية قانونية تمنحهم صفة باحثين.
كذلك يقوم المعهد العالي للتعليم التكنولوجي في روصو، ISET، الذي تأسس سنة 2009، بتدريس بعض التخصصات التي لها علاقة بالزراعة و الإنتاج و الصحة الحيوانية و الهندسة الريفية، و يتوفر على بعض المختبرات البحثية بهذا الخصوص، لكنه يدرس تخصصات أخرى تجعله غير مهتم حصرا بالزراعة أو التنمية الحيوانية، كما أن طاقته الاستيعابية ضعيفة، مقارنة بأهمية الزراعة و تربية المواشي.
تعليمنا العالي، الذي بدأ مع المدرسة العليا للتعليم مطلع سبعينات القرن الماضي و توسع مع إنشاء جامعة نواكشوط مطلع ثمانينات القرن العشرين و المؤسسات التي أنشئت بعد ذلك، لم يمنح أهمية كبيرة لثرواتنا الطبيعية من زراعة و تنمية مواشي و صيد.
فمع أن الموارد المذكورة تشكل العمود الفقري للاقتصاد التقليدي الذي لا تزال أطياف عريضة من المجتمع في الريف و القرى، و حتى في المدن، تعتمد عليه في حياتها اليومية،
فلا توجد حتى الأن عندنا مؤسسة جامعية متخصصة حصرا في الزراعة أو تربية المواشي أو الصيد، و لا يوجد مركز بحثي جامعي متخصص في هذه الثروات.
في مجال الثروة المنجمية، تم سنة 2018 إنشاء المعهد العالي للمهن المنجمية IS2M في ازويرات الذي يمنح خريجيه ليسانس مهنية في الصيانة الصناعية، لكن لا توجد بنية بحثية جامعية تصدر بحوثا و دراسات عن ثرواتنا المنجمية، كما لا يوجد اهتمام بنقل التكنولوجيا التي تسمح لنا بمعالجة المعادن لتكسب قيمة مضافة، بدل تصديرها خاما، كما هو الحال مع الذهب مثلا.
و كما هو ملاحظ، فإن التفكير على مستوى التعليم العالي ظل على مدى عقود، و في أحسن الأحوال، منصبا على تخصصات فنية محدودة، فيما استمر إهمال أو تجاهل الثروات الطبيعية.
بعد أزمة استيراد الخضروات الأخيرة، إثر الإغلاق المؤقت لمعبر الكركرات، لم يعد يخفى أن إهمال الزراعة كان خطأ إستراتيجيا كبيرا ينبغي أن يصحح في اسرع وقت بإنشاء كلية للزراعة تكون فيها كل التخصصات المتعلقة بهذا المجال، مع مركز أبحاث متخصص في الشؤون الزراعية، بما في ذلك زراعة الواحات.
كذلك يجب إنشاء مؤسسة جامعية تضم تخصصات تتعلق بالتنمية الحيوانية بكل تخصصاتها و شعبها. في هذا الإطار ايضا، يجب إنشاء بنيات جامعية و بحثية تهتم بالمياه و التصحر و المحافظة على البيئة و الطاقة النظيفة بمصدريها الرياحي و الشمسي.
أعتقد أن ذلك ممكن إن تم إحداث قطيعة مع طريقة التفكير السائدة في مجال التعليم بشكل عام و التعليم العالي و البحث العلمي بشكل خاص، و تم فصل الخطط و الإستراتيجيات عن الجهات التنفيذية (الوزارات) لتتولاها هيئة وطنية مستقلة توكل لها مهمة إعداد التوجهات و التصورات في مجال التعليم و التكوين المهني و البحث العلمي على المديين المتوسط و البعيد، بحيث تكون سلطة الوصاية على الهيئة المذكورة رئاسة الجمهورية، و من الأفضل أن تكون دستورية، لضمان استمرارها و استقلاليتها.











