أيام من دون هاتف!

خالد الفاظل

أصيب هاتفي بوعكة فنية أدخلته غيبوبة لعدة أيام. ولم أتمكن من إسعافه إلا بعد عملية جراحية معقدة أجراها جراح هواتف رفقة تلميذ درسته سابقا في إحدى الثانويات. يبدو أن تلميذي السابق اختصر طريق الخبرة والكسب واقتحم السوق قبل نيل ورقة مزخرفة الحواف تسمى "الدبلوم". تعرف علي التلميذ بسرعة من بين أوجه الزبناء رغم عوامل تعرية الزمن، بينما قضيت عدة لحظات أفتش في الذاكرة بحثا عن المقعد المفضل لديه للجلوس أثناء حصة الرياضيات المطبقة في الخيال. بما أن التلميذ كان مؤدبا وصموتا أثناء حصصي بقيت هادئا وصامتا أراقبه مع رب عمله وهما يقومان بإجراء عملية القلب المفتوح لهاتفي المسكين ويزرعون بإحشائه ماكينة لقيطة منزوعة من جثة هاتف قديم..

لم استعجل الإصلاح كبقية الزبناء؛ لأنني تخيلت تلميذي أستاذا فتجنبت كل أمر سيشتت تركيزه. ترك رب العمل تلميذي يحدد سعر "ترميم الهاتف" تقديرا منه للروابط السابقة لمساعده في العمل، مما تسبب لكل واحد منا بموجة إحراج غير معلنة. جعلتني أذكر التلميذ بأنني لم أكن سخيا في توزيع النقاط والنكات؛ حتى لا تستدرجه ذكريات المودة والامتنان لتقليم أظافر السعر تعاطفا مع أستاذه السابق فتتقلص أرباحه المزدوجة من المال والشعور برد الجميل..

استغرق ترميم هاتفي أربع ساعات داخل محل في قلب مدينة لعيون التي تكاثرت قلوبها مع التوسع العمراني الذي ملأ الفراغات الترابية التي كانت تكتسحها نباتات اليتوع(أفرنان) ببيوت الأسمنت، فأصبحت بيوت الحجارة أقلية بعد رحيل معظم من كانوا يمتهنون تقليم الصخور بالمعاول لتصنيع مكعبات الحجارة الملونة التي منحت لتقاسيم المدينة هوية وروحا على عكس مكعبات الإسمنت التي جعلتها بلا روح مثل ملامح المدن في الألعاب اللاكترونية.

ساعات قضيتها أتفرس ملامح الزبناء والعابرين دون أن أرى وجها مألوف القسمات مثل بيوت الحجارة القديمة الهابطة مع الصخور والنابتة بصلابة حول البطاح. لم أر سوى أطنانا من الذكريات تكدست فوق بعضها البعض حتى أصبحت أطول قامة من باب المحل. فحجبت أضواء النهار وأدخلتني غيبوبة لم استفق منها إلا عندما مد لي أحد العمال كأسا من الشاي ساعدني طعمه في الانتباه لفتاتين دخلتا المحل لإصلاح هاتف كان أذكى وأحدث من هاتفي المحتجز بجناح الترميم. ذكرتني إطلالة الفتاتين بأول قصيدتين كتبتهما في المدينة عن الحب منذ أعوام طويلة، دون أن أتذكر قافيتهما أو مصير الأوراق التي ابتلعت تعهداتي المكتوبة بأنني سأتزوج تلك الفتاة حتى ولو وجدتها أرملة وعجوزا في الثمانين. قبل إدراكي بأن الأيام وتجاربها ثقب أسود كفيل بابتلاع أي عاطفة أو فكرة نعتقد أنها عصية على الاندثار..

أشياء كثيرة تتغير مع صعود سلالم العمر، فتتسع زواية الرؤية التي نرى من خلالها الحياة فنزداد حكمة وتقديرا لصغائر النعم، لكن قوة الشغف والاندفاع للحياة تتراجع في قلوبنا فتصبح أقدامنا أقل قدرة على مزاولة الرقص والركض والمشي في كل طريق للشغف يرتسم أمامنا ومهما كان شائكا أو ناعم الأرصفة.

القابعون في الذكريات يتحولون إلى قصص بلا تفاصيل مثيرة. مصلح أجهزة الراديو ما زال متمسكا بعمله القديم، مررت عليه وحيدا بمحله يفك مسمارا من جهاز قديم وقد رمقني بنظرات بعيدة جدا، كان يشعر بابتعاد الخطوات عن محله على عكس أصحاب محلات الهواتف..

التشبث العنيد بالماضي ربما يساعدنا على الاحتفاظ بسعادة مسالمة ونقية وأمجاد صلبة لا ينافسنا فيها أحد، لكنه يشبه السكن في طريق السيول القادمة من بعيد، يوما ما ستجرفنا الأحداث ونصبح أضحوكة للمستقبل. الذين يتحركون دائما هم القادرون على تفريغ الأحلام والماضي من بريق الأوهام وجعل الأفكار والرؤى في متناول الحواس الخمس. أعرف شجرة من السدر بباديتنا منذ خريف 1997 وهي بنفس القامة والتزاحم الفراغي للأغصان والظلال. لم تنضج بما فيه الكفاية حتى تقنع المطر بأنها يجب أن تثمر، ولم تتفرع وتكبر حتى تصبح ظلالها مفيدة للعابرين أو تقنع أصابع العواصف العاتية بأنها شاخت وآن الأوان لتسقط حتى ترتاح من الوقوف بنفس المكان دون أن تضيف شيئا مثيرا للبيئة المحيطة بها. شكل غياب هاتفي لعدة أيام عن الوعي فرصة ثمينة للتعرف على رجل يدعى "خالد الفاضل" لم أكن أعرف عنه الكثير. عندما تأملت مساره الحسي وجدته يشبه كثيرا شجرة السدر، فهو لم يثمر ويتفرع كما أنه لم يسقط حتى الآن...

خلاصة القول؛ أن غياب الهاتف لعدة أيام جعلني اكتشف أن تلك الأشياء التي لا تصلها حاستا الشم واللمس لا يعول عليها كثيرا. وأن الوطن الذي يبقى جميلا ومثاليا فقط داخل ذكريات الطفولة وحنين الغربة لا يعول عليه أيضا.

أعتذر مسبقا عن عدم الرد على التعاليق والتفاعل معها لأن زر الإرجاع للصفحة السابقة متعطل في هاتفي ولا يعمل بشكل جيد إلا بعد عملية ضغط قوية وطويلة مما سيستنزف طاقتي ويعرضني للإصابة بالحمى. ولا أريد أن أصاب بالحمى حتى يقال: "المدون العملاق؛ متواضع ولطيف ويرد على جميع التعاليق". يبدو أن عملية إصلاح الهاتف لم تكن مثالية جدا بما فيه الكفاية، أصبح يشتغل بمشقة وربما يدخل غيبوبة طويلة أخرى، مما سيجعلني أقوم بأشياء أخرى في صباحات البادية، كمحاولتي أول أمس إنقاذ خنفساء كانت تتمشى تحت الفراش ودهستها دون قصد بقدمي، وعندما أخرجتها كانت تعاني كسرا بليغا في الظهر، واحترت كثيرا هل أجهز عليها وأخلصها من الألم والعجز عن مواصلة الحياة أم أتركها مع أن الأمل بشفائها أصبح مستحيلا. أخيرا قررت أن أتركها بين العشب تحت الظلال ربما تتعافى بمعجزة؛ لكنني عندما عدت لها بعد يوم وجدتها صارت وجبة لذيذة لقطيع من النمل. ماتت الخنفساء المسكينة في أحب فصول السنة إلى قلبها. لو أقيمت لي محاكمة عادلة ستكون حجتي لماذا دخلت الخنفساء تحت فراشي؟ بينما ستقول هي لماذا وضعت قدمك بقوة على الأرض والحقيقة أن موت الخنفساء قضاء وقدر. كبشر استخلفنا الله في الأرض هل لنا الحق في تعذيب مخلوقاته الأخرى؛ هل يمكننا وصف الباعوض بأنه شرير لأنه يتسبب لنا بالحمى وهو يمارس دورة حياته بشكل طبيعي وليس في نيته إيذاءنا. البشر يتعاملون مع بعضهم البعض بنفس المنطق؛ بعضهم يؤذي البعض الآخر بقسوة مفترضا أنه مؤذي ومنافس له. أعتقد أن مراقبة الحشرات في صباحات البادية وكفاحها من أجل البقاء يكسبنا فهما أعمق للحياة...

هنا حي العرگوب بلعيون للتزود بالكهرباء قبل العودة للبادية. الشمس ساطعة والرياح لطيفة داخل الظلال فقط، وغيوم نحيفة تتشكل وتختفي. المنازل مهجورة؛ ذهب أهلها للبادية للاستجمام والتمتع بالشمس وحمى الملاريا ونقص الماء وغياب الكهرباء. لا أفهم السر الذي جعل المواطن الموريتاني لا يحب المدينة والزحمة، ولا يجد المتعة إلا في البراري والقفار. 10 أيام من التخييم في البراري تكفي وفوق ذلك يترك للمنميين والمزارعين ومصوري ناشيونال جيوغرافيك وعلماء البيولوجيا والآثار. الصورة المرفقة من حي العرگوب بمدینة لعيون ملتقطة صبيحة الأربعاء الماضي وتظهر طرازا معماريا في بناء المنازل أصبح مهجورا للأسف.
الساعة 10:39 وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

أحد, 27/09/2020 - 11:09