من المستشفى...إلى ديناصور فاسد او مشعوذ..!!

الدكتور محمد أممد 

عندما تعلم أنه في هذه اللحظات التي تقرأ فيها هذه الحروف، توجد عشرات محلات الدجل، يملكها مشعوذون ، تحيط بأقدم و أكبر مجمع صحي في العاصمة،من أجل اصطياد المرضى الفارين من ديناصرات الفساد...عندها ستفهم لماذا أخترت هذا العنوان...

و بسبب غياب دام اسبوعين في البادية، حيث الشبكة هناك ضعيفة جدا، تأخر نشر هذا المقال عن قصة، الطفل الذي ابتلع العملة المعدنية،وتنقّله المؤلم و العشوائي و العبثي، بين جميع مستشفياتنا، و التي هي سبب كتابتي لهذا المقال الإخباري،ولذلك أرى من خلاله أنه على وزير الصحة و بشكل عاجل و عاجل جدا، إيقاف هذه المهزلة فورا، و إيقاف  تلك الإدارات الفاسدة عند واجباتها...وذلك بإعادة خلق التنسيق من جديد،  بين مستشفياتنا،كما في جميع دول العالم.. 

و سأوضح للرأي العام بصفة خاصة وللمواطن بصفة عامة، موضع الخلل، في تعامل مستشفياتنا مع المواطنين، و ذلك مقارنة علمية و واقعية بين مستشفياتنا و المستشفيات في أي بلد في العالم...

1- في مستشفياتنا...عندما وصل الطفل في حالة مستعجلة وحرجة إلى المستشفى...لا شيء اطلاقا فقط جملة (هذا لا يعنينا )إذهب إلى مستشفى كذا.. و تتكرر الجملة السخيفة الفاسدة للاسف عند كل مستشفى..طبعا إذهب  بدون إسعافات أولية، و بدون علاجات أولية و بدون بطاقة رفع وبدون سيارة إسعاف و بدون مُرافق صحي، فقط كلمة، سوقية "إذهب هذا لا يعنينا"!!...  و من هنا تبدء المعاناة و ستختلف تصرفات المرضى حسب امكانياتهم المادية و حسب الوعي الصحي و الثقافي لديهم و سيدخل المريض في دوامة، لا نهاية لها من تنقل بين سيارات الاجرة من مستشفى إلى مستشفى، و في النهاية، إذا كانت الظروف المادية تسمح فإلى عيادة خصوصية،و التي حتما لن تفرط فيه، و ستتمسك به ما دام قادر على الدفع...أما إذا كان فقيرا مطحونا، فسيستقرّ به الحال عند أحد الدجالة او المشعوذين، المنتشرين و المجاورين للمؤسسات الصحية، وهذا هو مصير الاغلبية...

2-- عند وصول المريض إلى المستشفى الأجنبي، أي مستشفى اجنبي...

  أن المريض في جميع دول العالم، متقدمة كانت او متخلفة و بدون استثنى، عندما يصل إلى أقرب مؤسسة صحية، من سكنه، تقوم تلك المؤسسة، بالتكفل به تماما أي أنها تقدم له الإسعافات و العلاجات الأولية مباشرة ثم يشخصون المرض و يُقيِّمون الحالة، وفي حالة عدم إمكانية علاجه على مستواهم، يكون التكفل هنا 100% و يبدء بالاتصال بالمستشفى المتخصص، وإخبارهم هاتفيا بنوعية الحالة المرفوعة إليهم ثم  كتابة رسالةرفع إلى المستشفى القادر على العلاج، ووضع المريض في سيارة الاسعاف، صحبة ممرض يحمل رسالة الرفع...

3-- أين مكمن الخلل عندنا..؟؟

نحن نعرف أن الوزير لازال جديدا على الوزارة ونعرف أنه وجد أمامه فساد و تراكمات كبيرة وكثيرة، تكدّست خلال عشرات السنين و  نعرف كذلك أنه مازال محاط ببعض المفسدين، والمهملين، و المتملقين،  و مع ذلك يُقال أنه، أي الوزير عنده، بعض الخبرة والإرادة،حسب بعض العارفين به...والأهم عندي أنا شخصيا من ذلك كله، رغبة رئيس الجمهورية الجديد في الإصلاح(لأننا نحن الموريتانيين على دين رئيسنا)، ولذلك و حسب رأيي فإن فوضى انعدام التنسيق، بين المستشفيات، بلغت درجة من التقصير و التهاون تجاوزت كل الحدود، و تضرر منها جميع المواطنين و بدون مبالغة،مما عرض ويعرض حياة الكثيرين للخطر..لذلك، و بحسب خبرتي في القطاع و ديناصورات الفساد فيه، فإنني أقترح على الوزير، النقاط التالية، و التي من خلالهما سوف يحل 90% من مشاكل المواطن الضعيف الصحية، و بدون تكاليف مادية، وذلك كالتالي...

أ-- النقطة الأولى فقط تطبيق القانون و النظام المعمول به...و بذلك ستتوقف هذه الفوضى،و سيرحل اغلب المشعوذين وذلك بفرض المعايير الإستشفائية المعمول بها في جميع دول العالم، و حتى في الدول المتخلفة،وهي أن أي مريض وصل إلى المستشفى، يستلمه المستشفى مباشرة، من أهله المرافقين له، و يبدء الفحص السرير و المخبر وغيرهما ثم تحدد حالته المرضيةو تشخص...وجميع تحركاته وتنقلاته من أجل الفحوصات و العلاجات و الرفع وغير ذلك تتم باشراف المستشفى و بسيارت اسعافه و بمرافقة ممرضي ذلك المستشفى، أما أهل المريض بعد الحضور للمستشفى، فلن تبقى لهم إلى مهمة واحدة و واحد فقط وهي دفع، بعض التكاليف المادية... 

ب-- النقطة الثانية، وكما نعلم، أنه في كل مستشفى، يوجد من بين طاقم المداومة "إداري مداوم" وأقترح أن يكون هذا الإداري تابعا مباشرة لوزارة الصحة، و مداومته يدفعها المستشفى، و يزود الوزارة بتقرير يومي... فهذا أفضل من وضع صندوق للشكاوى...  

ج-- النقطة الثالثة،يجب على الوزير ايضا، و بشكل فوري و مستعجل، أن يقضي على عبثية تأجير سيارات الاسعاف من طرف المديرين، للمواطنين المطحنين، وبأسعار خيالية(سأعيد قريبا، نشر مقال كتبته قبل سنتين فيه مبالغ اسعار التأجير)... وأذكر معالي الوزير أن وزير الصحة في حكومة الرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، وهو الوزير محمد ولد أخليل، قد فرض على جميع المؤسسات الصحية في جميع أنحاء الوطن بتحمل بنزين سيارات الإسعاف بنسبة 100%، وقد فرح المواطنين بهذا العبئ الكبير الذي أزيح عن كاهلهم، إلى أن جاء انقلاب 2008 الذي ذهب بتلك الفرحة، و يجب أن تعلم أن سيارات الإسعاف اليوم تؤجر للمرضى في جميع أنحاء موريتانيا... 

ملاحظة: أما سبب كل هذه المشاكل وكل هذه الفوضى هو أنه،خلال العشرية الماضية، كانت التعيينات على المستشفيات سياسية و بعيدتا كل البعد عن المهنية و تعتمد في كثير من الأحيان على الحزبية و التملق السياسي، مما جعل المدير خارج دائرة المساءلة، و عينه ليست على المريض بل على دخل المستشفى المادي... و إصلاح و تنظيم المؤسسة هو آخر ما يفكر به..

-- عزوف الأطباء الأخصائيين عن المستشفيات( بأعتبارها مستشفيات للمديرين ) العمومية في أغلب الأوقات...

-- تشكل لوبيات في كل مستشفى خاصة من كبار ديناصورات الفساد مما تسبب في بعض الصراعات بين إدارات مستشفيات انواكشوط...

بقلم الدكتور محمد أممد 

ثلاثاء, 03/12/2019 - 21:25