قبل فترة من الآن تساءلتُ هنا إن كان بإمكان المواطن الموريتاني في نواكشوط، أو أي مدينة أخرى من مدن البلاد، إنجاز معاملاته لدى أي إدارة من الإدارات الحكومية دون اللجوء لاستخدام الوساطة أو الاضطرار لتقديم الرشوة؟ فكانت إجابات الأصدقاء جميعاً بالنفي المطلق. وبما أني شخصياً جربت في السابق إنجاز معاملات عادية وبسيطة جداً، بمنأى عن استخدام الوساطة أو تقديم الرشوة، وكانت النتيجة ضياع أيام وأسابيع ثمينة من عمري في «مستحيل» لا طائل من ورائه، فقد كنت عند رأي الأصدقاء ومع توقعاتهم بالكامل، ما جعلني أستنبط معياراً عملياً وبسيطاً وبديهياً للحكم على صدقية الشعارات الرسمية الكثيرة حول «إصلاح الإدارة» و«تقريبها من المواطن».. ألا وهو إمكانية إنجاز معاملة إدارية، بسهولة وفي وقت معقول، دون واسطة أو رشوة.
ثم حدث أن احتجتُ شخصياً قبل عدة أشهر لإجراء معاملة لدى ولاية نواكشوط، كانت مجرد استخراج ورقة عقارية تتعلق بأرض سبق أن اشتريتها من صحابها قبل عدة سنوات.. لكن رغم كل الوقت الذي أضعناه في التردد على الولاية، لم نستطع إلى الآن الوصول إلى الوالي أو الشخص المسؤول داخل الولاية عن معاملة كهذه. فالأبواب موصدة بالكامل أمام المواطنين من غير مستخدمي الوساطة والرشوة، ولا شيء يفتحها غير تينك الوسيلتين، وبدونهما لا يمكن لأي شخص قضاء معاملته مهما كانت بساطتها وسهولة إنجازها، ولو أنفق عمْر نوح في التردد يومياً على الولاية والتسكع أمام مكاتبها.
وكأن الولاية بذلك تريد تقديم الشاهد تلو الآخر على حالها المعروف أصلا، فالأمر يتعلق بأربع قطع أرضية سبق أن اشتريتها من مقاول حصل عليها بحر ماله شِراءً من عند صاحبها الأصلي الذي حصل عليها بدوره، ربما مع غيرها من القطع الأخرى، مجاناً ودون أن يتعِب فيها نفسه، فقط بجرة قلم من أحد معارفه أو أقربائه كان والياً لنواكشوط في مرحلة سابقة!
إذن يمكنني القول إنه باستخدام المعيار أعلاه لقياس صلاح الإدارة، لا شيء قد تغير أو هو بصدد التغير والانصلاح، على الأقل داخل المنظومة الإدارية، رغم كونها تمثل النواة الصلبة والعمود الفقري ومحور الارتكاز لأي دولة عصرية، ورغم أن إصلاحها يعد بمثابة المدخل الأساسي لكل إصلاح حقيقي وجاد وصادق، يريد الخلاص من فساد متجذر ومستوطن!
.jpeg)










