تابعَ الرأي العام العربي والإسلامي وجميع أحرار العالم، الشاب اليهودي الصهيوني/ جاريد كوشنير مستشار وصَهْر الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يترأّس حلقة نقاش (سمنار) يتوسّط فيها الحضور في قاعةٍ أنيقةٍ بإحدى فنادق منامة البحرين، ليستعرض بكلماتٍ واثِقةٍ أمام جمهوره المبهور به من أمراء ومسؤولين حكوميين ورجال أعمال من دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر والمغرب.
وممثلين لعددٍ من الدول الأوروبية بمشاركةٍ فاعِلةٍ من قادة البنك وصندوق النقد الدوليين، وهما بطبيعة الحال (الأذرع الناعمة للولايات المتحدة الأميركية) وممثّل دولة الاحتلال الصهيوني وإعلامهم وعملائهم الذين حضروا لأول مرة في محيطنا العربي بهذا البروز القبيح والمستهتر.
كانت وليمة بحرانية (عروبية أو إعْرَابِية) صاخِبة اختلطت فيها نكهة العقال العربي بالكوفية اليهودية المتصهينة وكأن شيئاً لم يحدث بين العرب واليهود الصهاينة على مدى 71 عاماً، وكأن الأمور (سابره) طبيعية بلهجة أهلنا في صنعاء، نعم سابره في نظر البعض من القادة (العرب)، لم يتعايشوا قطاً مع ذلك النزيف من الأرواح والدماء وتَلَف الأعصاب الذي قدّمه الأحرار الشرفاء العرب من الفلسطينيين والسوريين والمصريين واللبنانيين والعراقيين والأردنيين واليمنيين والجزائريين والسودانيين وغيرهم من أحرار الأمّة العربية.
وكأن الحاضرين من (الشخصيات العربية) المطبّعين لم يعودوا ملتزمين لا سياسياً ولا أخلاقياً ولا عروبياً ولا حتى إسلامياً بشيء له صلة بفلسطين المحتلة، ولا بالقدس المبارَكة ولا بأولى القبلتين وثالث الحَرَمين الشريفين ولا بمآسي الشعب العربي الفلسطيني الذي دفع ثمناً باهِظاً ولازال يدفع بقوافل طويلة من الشهداء والمفقودين والجرحى والأسرى والمبعَدين والمشرّدين في جميع بقاع العالم، وكأن هذا الثمن الكبير المدفوع سلفاً والمطلوب منه لاحقاً، وكأنه دين معدوم لم ولن يتم الالتفات إليه، لأن رؤية وفلسفة الحركة الصهيونية وخلفها المشروع الغربي الاستعماري المتصهين برمّته تريد ذلك، وتسعى لإنجازه منذ عقودٍ من الزمن، من زمن وعد بلفور المشؤوم مروراً بزمن النكبة والنكسة الرهيبتين وحتى زمن الجنون الصاخِب لدونالد ترامب وصَهْره كوشنير.
والحكاية ببساطةٍ أن الإدارة الأميركية المتصهينة رغبت من هذا المزاد أو (الحراج) بلهجة أهلنا في عدن أن يتخلّصوا من (عبء) القضية الفلسطينية المؤرِقة لهم لصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي، وقدَّموا في تلك الدراسة الاقتصادية البائِسة مبلغ 50 مليار دولار تقدَّم كدعمٍ مالي لاقتصاد الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزّة ولعددٍ من البلدان العربية كثمنٍ لصمتهم تجاه تصفية القضية برمّتها، ويكون نصف المبلغ عبارة عن هِبات مالية والنصف الثاني يعدّ التزاماً ودَيناً تدفعه شعوبنا العربية لاحقاً، ويتم التمويل على مدى عشر سنوات، وهكذا بنظر السيّد/ جاريد كوشنير الصهيوني ودونالد ترامب المتصهين، بأنهما قد حلا القضية الفلسطينية بجرّة قلم وبمحاضرة سطحية لم تتعدّ الـ 60 دقيقة وبحضور ومشاركة جهات هي أساس وجوهر مشكلة فلسطين المحتلة، أكانوا (عرباً) أم أجانب.
دعونا نفنِّد في النقاط والمحاور الآتية مضمون وجوهر الصِراع والهدف من مزاد صفقة القرن:
أولا: مضمون ومحتوى الورشة الاقتصادية في البحرين هو ترجمة دقيقة لجميع البرامج الانتخابية للأحزاب الإسرائيلية اليمينية المتطرِّفة ومفكّريهم منذ زمن ديفيد بن غوريون وحتى بنيامين نتنياهو.
ثانياً: تقود الجمهورية الإسلامية الإيرانية محور المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين ومعها محور يمتد من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن إلى جميع الأحرار في الوطن العربي والعالم، بينما تقود المملكة العربية السعودية محور التطبيع والمصالحة مع العدو الإسرائيلي ومعها دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء دولة الكويت، بالإضافة إلى دولٍ عربيةٍ تقيم علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني كالأردن ومصر، وهذا يقودنا إلى تفسير طبيعة المشروعين السياسيين المتصارعين في منطقة الشرق الأوسط برمّته.
ثالثاً: ووفقاً للمشاريع السياسية الأميركية المعلَنة في الشرق الأوسط منذ أن أعلنت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة في تطبيق سياسة الفوضى الخلاّقة لتغيير المجتمعات العربية، بدأت تهبّ على المنطقة رياح ما سمّي بـ (الربيع العربي)، وظهور الصراع الداخلي والإقليمي وبسببه تم إشغال كل الدول والشعوب العربية في قضاياهم الجزئية القطرية الداخلية، والهدف الكبير هو في إلهاء العرب عن قضيتهم المركزية فلسطين، وقد نجح الصهاينة (العرب والأميركان والأوروبيين) في ذلك نسبياً.
رابعاً: من بين السياسات الخبيثة التي روَّج لها مفكّرو الحركة الصهيونية وأنصارهم المتصهينون في دول الغرب الاستعماري، هي بذر الشِقاق والعداء بين الطائفتين الرئيسيتين في عالمنا الإسلامي وهما المذهب السنّي والمذهب الشيعي، وتحويل المذهبين إلى معسكرين متحارِبين ومتقاتلين تحت ذرائع وأوهام بدائية متخلّفة، ومن هنا تم الترويج بقوّة بأن العدو للشعوب العربية هو الشعب والحكومة الإيرانية، وأن دولة الاحتلال لم تعد هي عدوّة ومحتلة للأرض ومنتهِكة لعِرض العرب المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء، وهكذا تمّ الترويج المسموم لسنواتٍ قليلةٍ خَلَت إلى أن أصبحت معظم دول مجلس التعاون الخليجي صديقة وحليفة لدولة الاحتلال الإسرائيلي ومعادية لدولة إيران الإسلامية، يا سبحان الله، هؤلاء هم مَن ينطبق عليهم معنى الآية الكريمة بِسْم الله الرحمن الرحيم (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهمْ لَعَنَّاهمْ وَجَعَلْنَا قلوبَهمْ قَاسِيَةً يحَرِّفونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسوا حَظًّا مِمَّا ذكِّروا بِهِ وَلَا تَزَال تَطَّلِع عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهم فَاعْف عَنْهمْ وَاصْفَح إِنَّ اللَّهَ يحِب الْمحْسِنِينَ (١٣) ...)
خامساً: نتيجة لتلك السياسات الموجَّهة لتفكيك مجتمعاتنا العربية وإشغالهم بقضاياهم الفردية والخاصة، ولاعتقاد مفكّري الحركة الصهيونية في الغرب والعالم أجمع بأنه قد آن الأوان لتفكيك وتصفية القضية الفلسطينية بشكلٍ نهائي، والبدء بالإشهار العَلَني بقضية التطبيع السافِر مع العدو الصهيوني، ابتداءً من مؤتمر فارشاو (وارسو) عاصمة بولندا الأمني وانتهاءً بمؤتمر المنامة في البحرين الاقتصادي، وجميعها خطوات هدفها ترويض الأمّة العربية والإسلامية وتعويدها على مشاهِد التطبيع الخياني المجاني لـ(قادتها) مع العدو التاريخي للأمّة العربية والإسلامية.
سادساً: القضية الفلسطينية هي قضية سياسية محورية للعالم أجمع وعمرها يزيد عن 71 عاماً وهي قضية احتلال أجنبي لأرضٍ مغتَصبة، فإذاً هي قضية سياسية بامتياز، أما الجانب الاقتصادي على أهميّته فهو تابع للشقّ السياسي؛ والغريب في الأمر فإن جاريد كوشنير قد رَصَدَ في (أطروحته الاقتصادية) التي قدَّمها في الندوة مبلغاً متواضعاً (50 مليار دولار) موزَّعة على عشر سنوات، وهذا المبلغ مقابل توطين أهلنا اللاجئين الفلسطينيين في كلٍ من لبنان ومصر والأردن، وبناء مشاريع في الضفة الغربية وقطاع غزَّة، وهذا هو الجانب المعلَن بطبيعة الحال من المعالجات وربما المَخفي أعظم، أما لو قارّنا ضآلة المبلغ مع سخاء ما قدَّمه الأَعْرَاب لدونالد ترامب والذي تم التعاقد معه على قرابة 450 مليار دولار لشراء أسلحة ومعدَّات وأثاث، هنا ستكون المقاربة صعبة للغاية، لكن لأن المشروع برمَّته قد ولِدَ ميتاً فلن نخوض في تفاصيل المقارنات والمقاربات وخلافه.
سابعاً:لأن فلسطين هي قضية مركزية لجميع أحرار العالم بمَن فيهم الشعوب العربية والإسلامية، ولهذا كان الجميع في حال تناغم في توحيد الموقف السياسي العربي الشعبي والحزبي من صفقة المهانة والمذلَّة والعار، والجميع وقف ضدّها بثباتٍ من ممثّلي السلطة الفلسطينية والمقاومة بمختلف تنوّعها الإسلامي والوطني ومن جميع أحزابها الحرَّة المقاوِمة، هكذا تمّ دفن فضيحة القرن وبشكلٍ عَلني، لأن المساومة والبازار والحراج والمزاد يتناقض كلياً مع قِيَم ومبادئ الحقوق الثابِتة للشعب الفلسطيني البطل.
الخلاصة
لن يتوقَّف المشروع الغربي الاستعماري الاحتلالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وعملائها وأذنابها العرب من مواصلة تنفيد مشاريعهم الخسيسة وبكل السبل بهدف وأد ودفن قضية الشعب الفلسطيني العادلة خدمة للعدو الإسرائيلي الصهيوني، وسيكرِّرون مثل تلك المحاولات مراتٍ ومراتٍ، لكن يقظة وجاهزّية المقاومين الأحرار للمشروع التطبيعي مع العدو الصهيوني كفيلة بإفشال جميع مخطّطاتهم الاستعمارية القذِرة، والله أعلم منا جميعاً٠
الوفاق










