فلتعش بسلام!

Abdellahi Elbou

كانت ملاكك الصغير، طفلة جميلة بعيون عسلية وشعر كستنائي، فوق شفتها العليا استقرت شامة سوداء لذيذة كحبّة شوكولا، وأحببتها بجنون، عشقتها بعنف.. وكنت مقتنعا أنكما ستظلان معا إلى الأبد، كنت تتصوّر أنها من حقك -
والأطفال يعتقدون أن كل ما يحبونه يصبح ملكا لهم على الفور- .
كانت تزور جدّها في العطلة الصيفية، وتقضيان الصّباحات في الحقول الخضراء تأكلان سنابل الذّرة المشويّة على الفحم، وتقضمان عيدان القصب وتتقاذفان بالطّوب، وحين ينزل المطر تعتليان تلال الرّمل للتزحلق على صفائح
بلاستيكتية وكنت تعمدُ إلى صفيحتها فتثقبها من الأسفل حتى تتعطل، فتحملها هي في حضنك وتتزحلقان معا.. كان هذا يضاهي نزهة وسط الأحراش الخضراء على ضفاف
نهر التايمز بالنسبة لك.
كانت قدماها اللينتان لا تتحملان حرارة الرّمل في الصيف الملتهب، وتحمرّ وجنتاها كحبتي طماطم طازجتين، وكنت تحملها على ظهرك وتشعر أنك أسعد مخلوق في تلك البراري.

ولقد كنتما تتأخران فيقلق أهلكم..

حين جاء أهلها لاصطحابها في نهاية العطلة دخلت حالة إنكار، لابد أنهم يمزحون.. لا يستطيعون أخذها منك! ما المضحك في هذا؟
عندما انطلقت بها السيارة.. ركضت خلفها.. ركضت بكل قوتك، أحسست أنك تستطيع أن تطير، أن تحلّق في الهواء.. ثم خانتك رجلاك.
وحين عدت إلى منزلها بكيت، بكيت بسخاء كما يفعل الأرامل والأيتام.. وشعرت أن الدموع تغسل روحك، شعرت أنك تنظف داخلك!

كنت تمرّ على منزلها كل يوم وتتخيلها هناك تلعب... لابد أن ترجع!. لكنها لم ترجع يوما ولم ترها بعد ذلك أبدا.

إن للقدر حساباته الخاصّة، منطقا آخر.. إن للظروف والأزمنة تقلّبات مرعبة ودرامية، لها قدرة خرافية على مفاجئتنا وتمزيق أحلامنا إربا إربا والتبول علبها!
أحيانا يتملكنا الشعور العارم أن أحلامنا مجرّد هراء، هراء كبير!

لقد دفنت مشاعرك تجاهها إلى الأبد ولكنك لا زلت تتذكرها، حين تمر بإحدى حالات الصفاء المطلق، ويبعث بداخلك الطفل الذي كنته يومذاك، ثم تروح تستعيد الصوّر والمشاهد، تضحك مقهقها ثم يسودك الحزن والكرب الهائل..

يقولون إن الزمن يشفي الجراح.. لماذا لم يفعل ذلك مع جراحك أنت؟

تعرف أنها لا تزال على قيد الحياة، ربما هيّ الآن أم لأسرة محترمة.. لابد أنها أنهت دراستها ووجدت وظيفة في مكان ما، وعندها أطفال رائغون، وعلى وجه الخصوص لابد أن عندها طفلة بشامة لذيذة فوق شفتها العليا!

فلتعش بسلام!

أربعاء, 15/05/2019 - 17:08