يواجه بلدنا الجزئر أزمة نظام سياسي مكتملة الأركان وتامة المواصفات. وتجتمع في هذه الأزمة كل الأبعاد السياسية والمؤسساتية والدستورية. ولا أريد أن أخوض في بذورها ومنابعها ومسبباتها؛ لأن ذلك قد يقودنا بعيدا، وقد يتطلب مساحة أرحب لإعطائهأ حقها من البحث والتحليل والاستقراء.
أريد أن أركز على الأوضاع الحالية في علاقتها مع كل الجهود المبذولة راهنا قصد إخراج البلد من أزمة النظام السياسي التي لا يزال يتخبط فيها. وبالفعل، فقد سارع بعضهم إلى وأد هذا النظام السياسي الذي عاث في هذه الأرض الطيبة طغيانا وإخفاقا وفسادا، وأصبح وبصفة عفوية وغير متأنية، يطلق عليه تسميات “النظام البائد” أو”النظام القديم”. وأرى أن مثل هذا التسرع في الحكم غير مبرر، وأن وضع هذا النظام السياسي في عداد الأنظمة المقبورة أمر سابق لآوانه. فصحيح أن رأس هذا النظام قد رمى المنشفة وانسحب، ولكن ذلك لا يعني أن توابعه وذيوله وأذرعه قد استسلمت، وذهبت معه.
نعم!، لقد استقال الرئيس لكن نظامه، وإن اهتزت بعض أركانه وانهارت بعض بيوته مايزال حاضرا وفاعلا من خلال بقاياه، ولا سيما تلك التي أخذت شكل قنابل موقوتة يتوجب علينا اليوم وعلى مدى سنين عدة قادمة تفكيكها الواحدة تلو الأخرى. إنها تركة ثقيلة و إرث خطير حقا.
في هذا السياق، أذكر أن من بين أكبر هذه القنابل الموقوتة، وهي قنابل كثيرا ما تأخذ شكل قنابل عنقودية، أي قنابل ذات شمراخ تتفرع عنه قنابل أخرى متصلة به عند انفجارها، أذكر منها ما يلي:
أولا: هناك قنبلة دستور 2016!. فالدساتير توضع عادة لضمان التسيير الحسن للدولة ولتوفير قاعدة الحلول في وقت الأزمات. أما دستورنا الحالي الذي رفضت أطياف واسعة من الطبقة السياسية المشاركة في المشاورات حوله، والذي لم يستفت الشعب فيه، فإنه أعاق التسيير الحسن للدولة. وها هو يعيق البحث عن حل مرض وسريع للأزمة الراهنة.
ثانيا: هناك قنبلة الفراغ المؤسساتي. فالبلد يعيش أزمة خانقة وطاحنة، فلا الحكومة ولا البرلمان بغرفتيه ولا المجلس الدستوري برهنوا على أنهم قادرون على القيام بأضعف الإيمان: أي أن يجتمعوا وأن يخصصوا ولو جلسة واحدة للأزمة وللخروج بمبادرة إسهاما منهم في البحث عن حل لها. إن مثل هذه الإسهامات والمبادرات تأتي من كل صوب وحدب، ولكنها لا تأتي من الأطراف التي كان يُنتظر منها فعل ذلك. إن مؤسسات الدولة القائمة لم يسمع لها صوت، ولم يُرَ لها أثر أو عمل؟؟.
ثالثا: هناك قنبلة الرجال والوجوه والرموز. فكل الدراسات حول الانتقالات الديموقراطية التي تمت في العالم منذ ثمانينيات القرن الماضي تشير إلى أن الأغلبية الساحقة من هذه الانتقالات تمت عبر مفاوضات بين دعاة الانتقال ووجوه مقبولة من الأنظمة القائمة. فما وجه الحال عندنا؟. إن بلية الحكم الفرداني حوّلت حاشيته إلى “عُبّاد الصورة”، وأنزل بعضهم ولي نعمته منزلة الأنبياء والمرسلين، والعياذ بالله. وبلية الحكم الفرداني هي من تفسر تصحّر هذا النظام السياسي وقضائه على كل كفاءة أو قامة وطنية يُشتم فيها رائحة النزاهة والحرص على خدمة الصالح العام. وما هي النتيجة؟. والنتيجة هي أنه في هذه الأثناء، وكما برهنت على ذلك بجلاء مسيرة الجمعة الماضية، توجد معضلة الرجال. إذ أن الحراك الشعبي يطالب برحيل كل من رئيس الدولة والحكومة والبرلمان والمجلس الدستوري. وبسبب هذه القحولة الحادة عجزت أي محاولة للبحث عن انتقال تفاوضي بين دعاة التغيير ووجوه مقبولة يطمئن لها ويثق فيها عامة الجزائريين ونخبهم وطبقتهم السياسية والجمعوية.
رابعا: هناك قنبلة الاقتصاد. وأستدل بدليلين لأبين، ولو جزئيا، الوضع الاقتصادي الراهن:
ـ دليلي الأول أستمده من “خطة مارشال”، وأذكّر هنا أن المبالغ التي خصصت لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية كانت بقيمة 12 مليارا من الدولارات آنذاك!. وهو ما يعادل حوالي 140 مليار دولار حاليا!. في حين، أن الجزائر حصلت على 1000 مليار دولار، أي أكثر من سبعة أضعاف هذا المبلغ. وهو مبلغ أكثر من كاف للنهوض، ليس بالجزائر وحدها، بل بالقارة الإفريقية قاطبة.
ـ دليلي الثاني أستمده كذلك، من طباعة أوراق النقود دون مقابل. فباعترافٍ من بنك الجزائر تمّ لحد الساعة طبع ما يعادل 6500 مليار دينار. وذهبت 700 مليار منها لسد العجز الذي أحاط بالميزانية، وأخذ مبلغ 1500 مليار دينار طريقه إلى شركتي سوناطراك وسونلغاز لمساعدتهما على تسديد بعض ديونهما. وقسمة كبيرة مما تبقى حُوّل إلى تسديد مستحقات الزبائنيات الاقتصادية للنظام السياسي القائم.
هذا هو الوجه الحقيقي للقنبلة الاقتصادية.
خامسا: هناك قنبلة الجريمة الاقتصادية والمالية الكبيرة: إنها القنبلة العنقودية العظمى بامتياز. فكل ملف كبير للفساد تتفرع عنه وتلتصق به العشرات من ملفات الفساد الجزئية. وأيّ نظام سياسي يحل محل النظام السياسي القائم، وكان من يكون رئيس الجمهورية الشرعي القادم، وكانت من تكون الحكومة الشرعية المقبلة فإن ملفات الفساد ستأخذ حتما جزءا كبيرا من وقتهم ومن عنايتهم. وللأسف، فإن هذا الاهتمام سيكون على حساب الأولويات الحيوية الأخرى.
لماذا ارتأيت أنه من المفيد والمجدي لفت الانتباه إلى هذه المخاطر المتعبة؟. إن الدافع الذي يقف وراء ذلك بالنسبة إليّ هو لأخلُص لما هو آتٍ: إن هذه القنابل تهدد الدولة الوطنية بقدر ما تهدد الثورة الشعبية السلمية الجارية في بلدنا. وشخصيا، لا يساورني أدنى شك، أن مصير الدولة الوطنية ومصير الثورة الشعبية مرتبطان ارتباطا وثيقا، وأنهما معرّضان لنفس المخاطر والتحديات.
إن قائمة القنابل الموقوتة التي سردتُها هي أمثلة استدلالية وليست حصرية. فهناك الكثير من القنابل الموقوتة الأخرى التي ورثناها أو سنرثها من النظام السياسي الفاسد والمفسد الذي ابتُلي به البلد، شر بلية، على مدى عقدين من الزمن. ومن الأكيد أن خطورة هذه القنابل الموقوتة تضعنا في سباق ضد الساعة لتفكيكها وإبطال مفعولها. ولا يمر يوم أو أسبوع أو شهر إلا وتزداد الأوضاع تعقيدا وسوءا.
هل بمقدورنا كسب هذا السباق ضد الساعة؟. أجيب بنعم، شريطة ألاّ نخطئ، أولاً في تشخيص الوقائع على الأرض، وثانيا في ترتيبها حسب معيار الأولوية بكل موضوعية وعقلانية وإتقان.
فما هي هذه الأولويات بالنسبة إليّ؟.
ـ الأولوية الأولى، وعلى عكس مما يشاع، فإننا لسنا بعدُ في مرحلة انتقالية، ولا حتى في مرحلة التحضير للمرحلة الانتقالية. وفي رأيي، إننا لازلنا في نقطة التأرجح “un point de bascule”، إما نحو الخلف، أي استمرارية النظام السياسي في ثوب آخر أو قناع مُخادع جديد رغم إصرار الشعب للتخلص منه. وإما نحو التوطئة لتحوّل ديموقراطي حقيقي تكون نقطة انطلاقه انتخابات رئاسية لا لُبس ولا شك ولا طعن في نزاهتها ومصداقيتها.
إذن، هدفنا الأول يكمن في تحقّقنا من أن يتمّ التقلّب نحو الجديد وليس نحو استنساخ القديم.
ـ والأولوية الثانية فإنها مرتبطة بالشروع السريع في سد الفراغ المؤسساتي، بدءا برئاسة الجمهورية. فكل يوم إضافي في عمر هذا الفراغ يزيد أوضاع البلد، الخطيرة أصلا، توترا وتدهورا وحرجا.
ـ أما الأولوية الثالثة والأخيرة فإنها تتحدد في إنجاح الاستحقاق الرئاسي القادم. ويجب علينا أن نعي جميعا أننا، ومن خلال هذا الاستحقاق، سنضع أسس المنظومة السياسية الجديدة. وصلابة أو هشاشة بُنية هذه المنظومة مرتبطتان بمدى قوة وثبات وانتصاب هذه الأسس.
رأي اليوم
.jpeg)










