فلنتحدث عن التسريب!

Abdellahi Elbou

التسريبات سلاح سياسي يشهر في وجه الخصوم والمنافسين للنيل منهم وخدش صورتهم خصوصا في لحظات احتدام التنافس الحاد، ولكن مصداقية التسريبات تصطدم اليوم بتقنيات الذكاء الإصطناعي التي أصبحت رأس الحربة في الحرب الإعلامية الحديثة. 
يمكن لبرامج تقليد الصوت أن تنتج مقاطع مطابقة لصوت أي شخص بالاعتماد على عينة من الصوت الأصلي لا يتعدى طوله 3.7 ثانية، ولكن دقة المحاكاة تكون أعلى كلما تعددت العينات التي يحصل عليها البرنامج حيث تتمكن لوغاريثميات هذه البرامج من تطوير نموذج مطابق أكثر دقة وأصالة بتجميع العناصر الصوتية من تسجيلات مختلفة...
بعض هذه البرامج متاح مجانا أما نسخها الأكثر تطورا فيمكن شراؤها من المتاجر الإلكترونية والمزودين.

فلنتحدث عن التسريب..

التسريب المزعوم هو مكالمة صوتية مفترضة بطول دقيقتين وثمان وثلاثين ثانية، ولكن إمكانية تسجيل مكالمة من هاتف قائد أمني وعسكري بحجم محمد ولد الغزواني مستبعدة لأقصى الحدود، برامج تسجيل المكالمات التلقائي منتشرة بكثرة على بلاي ستور وغيره من منصات التطبيقات الذكية... ولكن هذه البرامج لا تستطيع تسجيل مكالمات واردة من النسخ الجديدة من الآيفون مثلا نظرا لسياسة الأمان والخصوصية الصارمة التي تطبقها آبل، ومن شبه المؤكد أن محمد ولد الغزواني يستخدم هواتف آبل جديدة لأكثر من سبب.
وحتى الهواتف العادية لآندرويد يمكن تزويدها بسهولة ببرامج تمنع تسجيل المكالمات منها.

لكن الذين عملوا على فبركة التسجيل وقعوا في أخطاء بدائية كارثية تنسف العمل من أساسه:

من هذه الأخطاء مثلا...

- لا يمكن لقائد دورية روتينية للجيش أن يكشف عن موقعه ومسار رحلته لأشخاص غير عسكريين مهما يكن مستوى الثقة بينهم أما أن يكشف قائد الأركان ووزير الدفاع أماكن تواجده وخطط تحركاته في مكالمة هاتفية مع سيدة لا يوحي دورها في السيناريو بكثير من الثقة فهذا ظريف حقا.

- جودة الصوت في الإتصال تتناقض مع الموقع الذي يتواجد فيه الرجل المفترض فالمنطقة بين أطار والزويرات خالية من التغطية تقريبا وحتى إجراء مكالمة من قلب هاتين المدينتين لن يكون بالجودة الموجودة في التسجيل خصوصا إذا عرفنا أن تسجيل المكالمات يخفض جودة الصوت في المكالمة الأصلية، وتداول التسجيل نفسه عبر الواتساب أو مواقع رفع المقاطع الصوتية وتداوله بين مستخدمين يضاعف انخفاض جودة التسجيل، والتسريبات الهاتفية الأكثر مصداقية والتي تتناولها وسائل الإعلام عادة ما تكون مشوشة إلى حد لا يمكن معه فهمها بدون سكريبت مصاحب.

- جاء توقيت "التسريب" المفترض مباشرة بعد انتهاء الجولة الأولى للمترشح محمد ولد الغزواني ونشر مداخلاته المصورة في كثير من المناطق، ما يرفع احتمال المحاكاة حيث ينتظر صانعو المقطع الصوتي الحصول على أكثر عدد من التسجيلات الصوتية الأصلية للمترشح من أجل بناء نموذج محاكاة أكثر أقناعا

- من بداية المكالمة وحتى نهاية التسجيل يتضح أنها تسير وفق سيناريو مخطط سلفا، إذ لا يوجد تداخل بين كلام المتحدثين، فالرجل يتحدث وينهي كلامه ليبدأ حديث السيدة، في حين أنه في المكالمات العادية تتداخل الأصوات ويتحدث الطرفان في وقت متزامن عادة.

- يتحدث الرجل أولا مقحما بتكلف كثيرا من العبارات والمصطلحات الفرنسية للإيحاء بحديث القادة العسكريين ذوي الخلفية الفرانكفوية وإضفاء مسحة واقعية على التسريب ولكن انسيابية المكالمة مع الوقت تفقده هذا العنصر الأدائي فينطلق متحدثا بحسانية خالية تقريبا من الفرنسية.

- يتضح إقحام "العسكر" في المكالمة عن طريق قصة جانبية هي حديث المرأة عن تصويرها قرب منشأة عسكرية لكن الرجل المفترض لا يتمكن من إعطاء انطباع صادق بالمفاجأة فلا يسألها عن موقع التصوير أو طبيعة المنشأة مثلا، ويكتفي باقتباس متلازمة كلامية معروفة في الأوساط الأمنية بحظر التصوير قرب المنشآت العسكرية وهكذا تنتهي مهمة القصة الجانبية فتختفي من سياق الحديث.

- هناك تصنع فاضح في عناصر السيناريو الأخرى مثل إقحام اسم مدينة معينة في منطقة معينة وتكرارها أكثر من مرة من طرف المتحدثين دون أن يكون هناك مبرر حقيقي لهذا التكرار. 
- إقحام عناصر قصصية غير متماسكة من أجل الإيحاء بالشخص التي يفترض أنه محمد ولد الغزواني، هناك تكلف كبير في ذكر العناصر التي توحي بهذه الشخصية فهي
- في مهمة في أماكن نائية (جيش) 
- لها ارتباط مباشر بالعسكر (قصة التصوير) 
- شخصية مهمة (لا يمكنها الظهور في أماكن مكشوفة)

هذا سيناريو بدائي نفذ بشكل غير احترافي إطلاقا ومن الواضح أنه لا يستهدف المتخصصين بقدرما ما يستهدف المتحمسين من مشاهدي قناة الجزيرة وجمهور حسابات الأسماء المستعارة.

اثنين, 15/04/2019 - 15:16