كتبتُ قبل أيام تدوينة مختصرة أشرت فيها – على وجه التظرّف - إلى أني أتوقّع انتقال لغة الخطابات السياسية في البلد من "العربية الخاسرة" إلى "العربية المصوفجة"، ثم إني عبّرت عن ذلك مرّة أخرى - على الوجه نفسه - في إحدى مجموعات الواتساب المشتركة مع بعض النجباء، منهم الكاتب محمد عبد الله الحبيب فسألني عمّا أقصد بـ"العربية المصوفجة"، فأجبته بما رأيت أن أشرك فيه القراء.
العربية المصوفجة هي أنساق تعبيرية تتلبسها "كهفية لغوية" ماكثة في عمقها ومتسربة إلى معانيها ومبانيها وإلى نمطها النُّطقي الخطابي، وأعني بمصطلح "الكهفية اللغوية" أن المصابين بهذه الأنساق التعبيرية هم أشخاص خرجوا من المجال العام في لحظة معينة وانشغلوا سنين عدداً بمشاغل أخرى لا تحملهم على خطاب الجماهير أو الاحتكاك بمجال التداول اللغوي العام، لكنهم وجدوا أنفسهم في لحظة أخرى عائدين إلى التصدي للشأن العام على وجه يلزمهم معه صعود المنابر والخطابة في الناس.
إن المصابين بنسق العربية المصوفجة في التعبير هم في الواقع حالة "كهفية لغوية"، لأنهم يحتفظون بقاموسهم اللغوي القديم وصيغهم الأسلوبية وورنّتهم النطقية وأدائهم المسرحي الخطابي الذي انسحبوا به منذ عقود ويخاطبون جمهورا قد يكون معظمه جاء إلى الحياة بعد خروجهم هم من الحياة العامة.
وأود الإشارة إلى أمرين: أولهما: أن العربية المصفوجة ليست حالة تعبيرية لازبة لا تزول، بل إن المصاب بها قد يتحسّن في أدائه التعبيري كثيراً مع مرّ الزمن.
أما الثاني فهو أن العربية المصوفجة ظاهرة قد تعتري أشخاصاً وقد تعتري جماعات تتقاسم تجربة متشابهة أو تكوينا معرفيا متقارباً، والنخبة السياسية والأدبية والعسكرية في البلد تنتظم أقواما تلقوا تكوينهم اللغوي أيام النضال الأيديولوجي ثم خرجوا من السياق الحي والمتفاعل إلى سياق لغوي جامد، فتوقف تطورهم التعبيري وأصبحوا ينتمون إلى قاموس لغوي قديم تداوليا ودلاليا.
أعرف أن بعض القراء ينتظر مثالا محددا على ما ذكرت آنفاً، ولو شئت لذكرت أسماء شخصيات شهيرة أراها مصابة بحالة العربية المصوفجة التعبيرية لكني أجد في هذا القدر كفاية، فليس هذا إلا حديثاً ظُرفياً، وربما أعود إلى حديث نقدي علمي أكثر عمقاً حول ظاهرة العربية المصوفجة.
نقلا عن صفحة الكاتب










