انتقال السلطة من رئيس إلى رئيس سنة حميدة تمر بها بلادنا في هذه الفترة من تاريخها ، وهي سنة ستقضي على عادة البقاء في السلطة زمنا طويلا غير محدد ، مما يؤدي إلى تشكل مجموعات فساد ونهب لا تخاف رقيبا ولا حسيبا لأنها محمية من طرف رجل قوي يمسك وحده مقاليد الحكم مدة بقائه فيها ، ومن العادات المصاحبة للبقاء المستمر في الحكم أن الحاكم والنخبة المحيطة به ترفع شعارات الإصلاح والتغيير في سنواتها الأولى في الحكم مقدمة ما تستطيع من عطاءات وانجازات أو ما تريد أن تقدم فإذا تطاول عليها الأمد وتمتعت بنعيم السلطة ومغانم الحكم انتقلت من مرحلة التأسيس والإنجاز إلى مرحلة الترف والبذخ والتحصيل ولم يعد لديها ما تقدمه أو تعطيه وفي الغالب تنتقل إلى مرحلة القمع والاستبداد .
انتقال السلطة يوقف المسار السابق بمراحله المدمرة للعمران البشري .
ومن حسنات هذا الإنتقال أنه ينهي عهودا من الإنقلابات يستخدم أصحابها العنف بطريقة غير مشروعة ولكنها ضرورية لتحقيق ذلك الإنتقال أو التداول .
الحسنات السابقة هي التي جعلت الكثيرين يستبشرون خيرا وهم يرون السلطة في بلادنا تنتقل بشكل سلس دون عراك بالحراب أو تدافع بالأسلحة .
ولكن هنالك جانب في المشهد يستحق التأمل والنظر : فالطريقة التي تم بها تسريب خبر مرشح السلطة أقرب إلى الإستخلاف منها إلى الترشيح حيث أن الأمر قد تم في الدوائر المقربة من رئيس الجمهورية وقد سمح لتلك الدوائر بتسريب الخبر ثم أعلن الخبر في مجلس الوزراء كما تناقلت ذلك بعض المواقع مع الحرص على نفي وجود مرشح آخر للسلطة .
فما المقصود من كل ذلك ؟
إنه الإستخلاف ولا شيء غيره فالسلطة تريد أن تقول لشعب اعتاد السير في ركابها إن مرشحنا هذا هو " خليفة" رئيسنا الحالي في الحكم وعليكم أن تدعموه إن كنتم تريدون ما يترتب على ذلك الدعم من مزايا وأعتقد أن هذه سابقة لم تقع في تاريخنا السياسي من قبل بهذا الوضوح والصراحة
وهذا ما جعلني أفهم لماذا لم يتم تقديم مرشح السلطة ابتداء من خلال القنوات الحزبية حيث أن ذلك قد يفهم منه أنه مجرد مرشح لحزب أو مجموعة من الأحزاب وذلك ما قد يؤدي إلى انقسام الناس حوله .
أما الآن وبعد أن تم تقديمه بهذه الطريقة القاطعة الجازمة فيمكن بعدها اللجوء إلى القنوات الحزبية لإكمال عملية الإخراج ووضع اللمسات الأخيرة
ومن فوائد هذه الطريقة التي اتبعتها السلطة أن الناس بدأوا يتحدثون عن المرشح بوصفه رئيسا مؤكد الفوز وليس مجرد مرشح يخضع نجاحه لحساب الإحتمالات والتقدير
وهذا ما ينزع عن عملية الإنتخابات القادمة طابع المفاجأة والترقب والإنتظار
حتى أن بعض الناصحين يرى أنه من الضروري توفير المال الذي سيتم إنفاقه في هذه العملية وإن يتم تسليم السلطة عبر مراسيم قليلة التكلفة سلسة الخطوات لكي نربح الوقت والجهد
ولكن الذي يخافه بعض المحللين وأهل السياسة في هذا البلد أن تصبح هذه الطريقة في انتقال السلطة سنة متبعة في المراحل القادمة من تاريخنا السياسي بحيث يسلم كل رئيس في السلطة الحكم إلى خليفة يختاره بنفسه في الظاهر على أنه مرشح ولكنه في حقيقة الأمر هو خليفة أو مستخلف
وهذا التوجه هو ما يعبر عنه الشعار الجديد _ ونحن في هذه المرحلة بارعون في ابتكار الشعارات _ " مرشح الإجماع الوطني"
وأنتم تعلمون أن الإجماع لا يجوز الخروج عليه فإن كان وطنيا كان الخروج عليه خيانة وعمالة
ففكروا وتأملوا وأعيدوا النظر









