المعارضة والفرص الضائعة

الطاهر إبراهيم

لاشك  أن الوطن يمر بمنعرج حاسم في تاريخه الديمقراطي حيث يودع رئيس متيحا الفرصة لغيره  في مشهد تناوب - ولو مجازي حسب المتشائمين - ، على السلطة ، وكان سيكون هذا المنعرج فرصة للتملص بطريقة سلسة من يد العسكر الفلاذية القابضة لولا ترهل الكيان المعارض وهشاشته .
رغم أن البعض من المغشي عليهم  مثلنا لازال يقبض على جمر المعارضة ويؤمن بقدرتها على صناعة المشهد لكن  الناظر إلى الوضع الوطني الراهن بعين المتبصر الواقعي يدرك أن لاشيء تغير أو سيتغير في "الجملة الفعلية السياسية "،و ستظل المؤسسة العسكرية "فاعلا" متغطرسا، والشعب "مفعول به"، والمعارضة "فضلة" في الكلام مكملة للجملة جاز الإستغناء عنها  إذْ لا تأثير لها على المعنى السياسي ولا أثر إلا من باب إضفاء صفة الحسن والشرعية  على الفاعل أن لديه معارضة ونحو ذلك .

دعوني أفشي سرا  ضاق به صدري وجاملت به ضميري وهو أن معارضتنا فقدت البوصلة تماما ؛ إنها مريضة وتكابر على المرض ، ولا أدل على ذلك من تخبطها وتيهانها في ظرفية كهذه وسانحة كهذه قد لا يجد الشعب أفضل منها للتخص من خشونة الحذاء العسكري دون ضجيج  لو وجد في المعارضة عمادا صلبا وجادا يسند ظهره إليه ويخلصه من ميراث عقود  من الضياع .
إن هجوم معارضتنا يوشك برعونته وأنانيته أن يضيع فرصة ثالثة لتسجيل هدف الفوز وإقصاء "الفريق"، والإنفراد بالسلطة لأول مرة ورفع علم الوطن دون أحمر الشفاه وعزف نشيد الاستقلال الخالد " كن  لله ناصرا ..." يذكر أن الفرصة الأولى ضاعت في ال 2007، و كانت الأقرب للتسجيل حيث كان الزعيم أحمد داداه قاب قوسين أو أدنى من حسم النتيجة في الأشواط الإضافية لولا تحول مسعود . أما الفرصة الثانية فجاءت 2009 من هجمة مرتدة أتيحت بعد  اللجوء للفيفا التي حكمت بإعادة  المباراة بمشاركة جميع اللاعبين الاساسيين والاحتياطيين على شروط ظهر فيما بعد أن الفريق المعارض غش فيها. 
بعد فوات هاتين الفرصتين ظننا أن معارضتنا ستعي الدرس وتستوعبه وترس الصف لتبحث بشكل جاد وشفاف عن رأس حربة مغوار تستغل به الفرص أو تثبت به عن الأقل أن لها وجود وكيان وموقف وكلمة وعهد وتأثير .

صحيح أن في المعارضة رجال مخلصون رفعوا بشرف وتفان وكبرياء شعار مقارعة نظام الغبن والتجويع والعسكرة لكن الإختراق من الداخل أبطل تأثير المؤسسة وانتج الفشل الذي مافتئ منذ سنوات يلاحق أفعالها وقراراتهم لاسيما في الوقات الحاسمة ، فكلما اشتد الخطب واستفحل وزاد الحِمل على الكيان المعارضة وكان تعويل غالبية الشعب عليها في الخلاص من براثن العسكر ، تمخضت قراراتها عن بيضة فاسدة . فما السر في ذلك يا ترى ؟ وهل سيظل المعارض عنصرا هامشيا في الجملة السياسية بدل أن يكون طرفا أساسيا في كوينها ديمقراطيا ؟ .
ما الذي رَانَ على عقول قادتنا الأفذال حتى عجزت عن ابداع طريق لإثبات الوجود وإعادة الثقة والإعتبار لنفسها ؟ .

اثنين, 11/02/2019 - 14:33